الفصل الأول هو الجسر بين البناء النظري في المقدمات والتفاصيل التطبيقية في باقي الكتاب. ينطلق من سورة البلد ليرسم رحلة العبد ورحلة الأمة في اقتحام «العقبة». ثلاثة محاور يبنى عليها الفصل: العقبات التي تمنع المؤمن من الصعود، المهمات التي يجب أن ينجزها جند الله، والمنهج الذي بمقتضاه تُؤدى تلك المهمات.
قبل الحديث عن المهمات، يضع الإمام يده على ما يحول دون أدائها. الإنسان مخلوق «في كبد»، مجبول على شُح يمنعه من الصعود. والأمة فوق ذلك مغلوبة فيها أمراض جماعية. تشخيص هذه العقبات شرط أساسي، فمن لم يعرف الداء أعطى الدواء في غير محله.
ينطلق الفصل من ثنائية قرآنية حادة في سورة البلد. كلمة «كبد» تصف وضعًا أصليًا للإنسان: مشقة، عجز، ميل للراحة، شُح. وكلمة «اقتحم» تصف فعلًا إراديًا يكسر هذا الوضع. المنهاج كله يقع بين هاتين الكلمتين:
هو الحال الفطري للإنسان: مشقة في النفس، شُح مجبول عليه، ميل إلى الراحة وإخلاد إلى الأرض، عجز عن الصعود. هذا ليس عيبًا أخلاقيًا — بل ابتلاء كوني يخص كل إنسان. لكن من بقي عليه دون اقتحام صار «من أصحاب المشأمة». الكبد بلا اقتحام = هلاك.
هو من تجاوز الكبد بإرادة. فك الرقبة، أطعم في يوم ذي مسغبة، كان من المؤمنين المتواصين بالصبر والمرحمة. لم يلغِ شُحَّه — فالكبد فطري — بل غالبه وقهره بالعمل. هؤلاء هم «أصحاب الميمنة». الكبد مع اقتحام = سعادة عند الله.
الإمام لا يصف الإنسان في كبد ليجلد ضميره، بل ليبني عليه فقهًا حركيًا: التربية الإسلامية تخاطب أعمق ما في الإنسان — شعوره بالخواء والعبث ما دام بعيدًا عن الله. ثم ترفعه في صحبة المؤمنين. الالتزام الإسلامي ليس كالالتزام السياسي: السياسي يحتاج تربية الفكر فحسب، أما الإيماني فيحتاج «اندماجًا عاطفيًا وفكريًا وحركيًا» في جسم الجماعة، اندماجًا يمتد إلى الحياة الأبدية. ولهذا يُذكر «أصحاب الميمنة» — الجائزة أبدية، فالاستثمار يجب أن يكون أبديًا.
السؤال الذي يطرحه الإمام نصًّا: «كيف نربي الإيمان في القلوب، وعلم الجهاد في العقول، ودراية التحرك بين الناس، وطلب الشهادة في سبيل الله مع الصف وبنظام الصف؟». السؤال ليس عقديًا (الإيمان موجود) ولا فقهيًا (الأحكام معلومة)، بل منهاجيًا: كيف نحوّل ما هو موجود في النفوس من خير كامن إلى إرادة جهادية فعلية تخترق العقبات. وهذا يستدعي تشخيص العقبات أولًا.
الإمام يصرّح بالعقبات الثلاث ويبين أن لكل منها بعدين: نفسي تربوي (داخل الفرد) واجتماعي تنظيمي (في الجماعة). فلا تُعالج بالتربية وحدها ولا بالتنظيم وحده:
الكسل عن المبادرة، التواكل على «الخليفة» أو «الإمام» أو «الحاكم». انتظار المعجزة من السماء.
تعلق بالدنيا حتى صارت غاية. «قوم ظلموا أنفسهم وظلموا الناس» لأن انشغالهم بمتعتهم منع نفع الآخرين.
الفرد قد يصعد، لكن المجتمع كمنظومة يبتلع الصاعد. التيار الجارف يجرف حتى المتدينين بلا وعي.
هذه العقبات الثلاث ليست متماثلة، بل متراتبة في عمقها: الذهنية الرعوية فيها قعود صرف. الأنانية المتمتعة فيها قعود مغلَّف بالرضى — أصعب علاجًا لأن صاحبها لا يشعر بمشكلة. تيار التبعية يجرف حتى المنتبه فيُذيبه في الجماعة الفاسدة. لذلك قال الإمام: «ثلاث تغييرات ضروري أن يحدثها الدعاة في الجو الفكري والنفسي والعملي في الأمة». التغيير ثلاثي الأبعاد لأن العقبة ثلاثية الأبعاد.
إلى جانب العقبات النفسية الثلاث، يضيف الإمام سلسلة من العقبات الموضوعية التي تواجه جند الله. كل واحدة منها وحدها كافية لإيقاف الحركة، فما بالك بمجموعها:
عقول متخلفة تحتاج بعد نور الإيمان إلى نور العلم بالله ودينه، وإلى العلم بنواميس الله في الكون.
«تقدم تكنولوجي يبهر النفوس الضعيفة فتعرض عن الإيمان بالله تبعية وخنوعًا». هزيمة نفسية أمام الإنجاز المادي.
جند الله «معزولون عن الحكم» في بلادهم، «محاربون من خارج بتمالؤ حكام الجبر» فيهم. حصار مزدوج: داخلي وخارجي.
«أين نحن من القدرة على هذه المهمة الضخمة؟» — يقولها المتواكل فيقعد. وفي مقابلها يقولها المتوكل: «إذا كان الله معنا فلن نُغلب من قلة».
العقبات كثيرة (نفسية + علمية + حضارية + سياسية + داخلية)، والمسلم الضعيف يستعرضها فيقول: «مستحيل». الإمام يقلب المنطق: لا يقول «استهن بالعقبات»، بل يقول «اقبل بضخامتها وكن أقدر منها». ولهذا قال: «تريد جيلًا مؤمنًا من نوع جديد من الرجال». المعركة لا يكسبها الجيل الحالي بطاقاته الحالية، بل جيل يُصنع لأجل هذه المهمة تحديدًا.
خطاب شائع جدًا: «الإسلام عاجلًا أم آجلًا منصور»، «المهدي سيخرج وينقذ الأمة»، «الأمر بيد الله». ظاهر الكلام صحيح، باطنه — حين يُتخذ ذريعة للقعود — هو عين الذهنية الرعوية.
لأن صاحب الذهنية الرعوية يستعمل النص الشرعي تبريرًا للنفور من المسؤولية، لا تذكيرًا بالغاية. الفرق: المؤمن المتوكل يقول «الأمر بيد الله» وهو يعمل، والقاعد يقولها ليبرر قعوده. ولهذا قال الإمام: «المهم جدًا ألا نذهب هدرًا، وأن يدفع الأعداء ثمنًا باهظًا لحياتنا». الموت في القعود هدر، الموت في الاقتحام شهادة. نفس الموت — معنيان متضادان.
داعية محترم، له حلقة علم في المسجد، يربي طلبة، يكتب مقالات. حياته منظمة: دروس، أسرة، رحلات، احترام اجتماعي. يقدم نفسه نموذجًا للإسلام «المتزن». لكن حين تُذكر القومة أو التنظيم أو إقامة الدين، يكون موقفه: «هذا فيه من المخاطر ما الله به عليم، وأنا أكتفي بنطاقي».
هذا تجلٍ من أرقى تجليات الأنانية المتمتعة: الرجل ليس عاصيًا، بل عابد. لكنه «امتلأ مما هو فيه وطلب المزيد مما هو فيه». تربيته الفردية صارت سقفًا يحجبه عن الجماعية. ولهذا قال الإمام: «قوم ظلموا أنفسهم وظلموا الناس». ظلم النفس لأنه حُرم أجر الجهاد الجماعي، وظلم الناس لأن طاقاته كان يحتاجها الصف. الفضيلة الفردية بدون ميزان جماعي قد تكون عقبة.
عائلة مسلمة محافظة. الأب يصلي، الأم محتشمة، الأبناء في مدارس «طبيعية». تيارات الجاهلية تدخل البيت كل ساعة عبر الإعلام والمناهج: قيم الترفيه، مقاييس النجاح، علاقات الجنسين، أنماط الاستهلاك. الأسرة لم «تتغير» قراراتها، لكن منظومتها تشرّبت دون أن تشعر.
الإمام يكشف: لا يكفي «الإيمان الفردي» في وجه «التيار الجارف»، لأن التيار يعمل على مستوى الخلايا الثقافية: الكلمات المستعملة، النموذج المُحتذى، التوقعات الاجتماعية. ولهذا أصرّ على التنظيم وبيئة بديلة: «صف متراص... يتوسطون الشعب، ويقيمون صلبه، يتغلغلون في بيئاته». التيار لا يصده فرد، بل تيار مضاد منظم.
المدرستان الأولى والثانية صادقتان فيما تشخصانه، لكنهما تعالجان جزءًا من العقبة كأنه الكل. التزكوي يربي قلبًا في تيار يجرفه. العقدي يصحح تصورًا في نظام يقمعه. الإمام يصرّ على الجمع: «الذهنية الرعوية... لكل منها بعد نفسي تربوي وبعد اجتماعي تنظيمي». أي علاج جزئي يستحضر العقبة من باب آخر.
العقبة ليست خارجية فحسب (الجبر، الحضارة المادية، أعداء الإسلام)، ولا داخلية فحسب (الكبد، الشُح، الأنانية). هي بنية مركّبة من الأبعاد الثلاثة معًا: نفسٌ كادحة، ومجتمع جارف، وعدو متربص. ومن قصر تشخيصه على بُعد واحد فُتح عليه من الأبعاد الأخرى. المنهاج يبدأ بالاعتراف بضخامة العقبة لا بالتقليل منها.
بعد تشخيص العقبات، يحدد الإمام المهمات التي يجب أن ينجزها جند الله. وتأتي على شكل سلم متدرج من أربع مراحل: الجماعة القطرية، فالدولة القطرية، فتوحيد الأقطار، فالخلافة الوارثة. هذا الترتيب جوهري — لا يقفز عليه إلا من جهل بسنن الله في تغيير الأمم.
قبل تعداد المهمات، الإمام يضع تمييزًا حاسمًا. كلاهما مطالب باقتحام العقبة، لكن طبيعة الاقتحام تختلف:
اقتحامه عقبتَه = جهاد لنفسه كي تستقيم على طاعة الله، وجهاد مع المؤمنين المتواصين الصابرين المتراحمين لإقامة دين الله. بُعدان: داخل (نفس) وخارج (مع الجماعة).
اقتحامهم العقبة = جهاد سداسي الأبعاد: تربوي، تنظيمي، ميداني، مالي، قتالي، سياسي. كل بعد منهما عقبة في ذاته. الغاية: «حتى تقوم دولة الإسلام الخليفية على منهاج النبوة».
الفرد له طريق فردي، لكن جند الله المنظمين يحملون فوق ذلك مهمة الأمة. ولهذا فإن المهمات الأربع التالية ليست لكل مؤمن فردًا — بل لـ«جماعة المؤمنين» المنظمة. الإمام يخاطب الفرد ليلتحق بالجماعة، ثم يخاطب الجماعة لتؤدي المهمات. هذا الترتيب — الفرد فالجماعة فالمهمة — منع الإمام من السقوط في أحد فخين: مخاطبة فرد لا يطيق الحمل، أو إغفال الفرد بحجة الحمل الجماعي.
يجيب الإمام بسلسلة من المعطيات الواقعية: حكام الأقطار يقطعون صلات الحركة الإسلامية العالمية، تنظيمات إسلامية متعددة لا تتفق فيما بينها، فئات قطرية متعلقة بجانب دون جانب. لذلك: «أنسب إطار للتنظيم هو القطر كما صاغته الفتن التاريخية وكما تحكمه الدويلات القومية». ثم — وهذا المهم — «ذلك مرحلة حتى تتحرر الأقطار، واحدًا بعد الآخر». القطر مرحلة لا غاية. والبناء من تحت لأعلى، لا فرضًا من فوق.
هذه هي خارطة الطريق. ترتيبها صاعد محسوب، يتيح التداخل والتزامن «متى كانا حكمة»، لكنه لا يقبل القفز:
تربية الرجال والنساء على الإيمان والإحسان، تنظيمهم في صف متين منتشر في الشعب، يلتزمون «الجماعة» بمعناها النبوي: «من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه».
«جند الله بعد التربية والتنظيم وأثناءهما يجب وجوبًا ملحًا أن يلجوا الميدان السياسي... للوصول إلى الحكم في قطرهم». لا انتظار للمعجزات: «ليكن الهدف المباشر هو الزحف الأرضي للاستيلاء على الحكم».
«قبل تحرير الأقطار لا بد من تنسيق بين الجماعات عبر العالم». ثم بعد التحرر يلتقي المؤمنون ويتدرجون لوحدة الاندماج. والصورة المقترحة: «من نوع ما يسميه العصر فيدرالية» — لمزايا توزيع المسؤوليات.
«ينبغي على المؤمنين في العالم أن ينصبوا خليفة عليهم باجتماع أولي الأمر... وقبل الوصول إلى نظام الخلافة... يقام إمام قطري في كل بلد تحرر». المرحلة الموعودة في حديث «ثم تكون خلافة على منهاج النبوة».
الإمام لا يقول «هذا الترتيب صارم لا يقبل المرونة». بل يقول: «بالترتيب الذي لا يمنع التداخل والتزامن متى كانا حكمة». بمعنى: قد تستعد الجماعة القطرية في بلدٍ ما للدولة بينما لا تزال جماعةٌ أخرى في طور التأسيس. وقد يحدث تنسيق دولي قبل أن تكتمل كل الأقطار. لكن المنطق الكلي لا ينقلب: لا توحيد قبل تحرر، ولا تحرر قبل دولة، ولا دولة قبل جماعة، ولا جماعة قبل تربية. القفز يفسد البنيان.
ليس الترتيب مجرد اختيار تنظيمي، بل سلسلة استدلال محكمة. كل مرحلة تستلزم ما قبلها وتُمكِّن لما بعدها:
حركة إسلامية شابة، اجتمع لها زخم سياسي مفاجئ، فحازت أكثرية في انتخابات. وصلت إلى الحكم. لكن قاعدتها التربوية ضعيفة، وكوادرها قليلة الخبرة، وصفها متعدد التيارات. تعثرت الإدارة، اشتعل الخلاف الداخلي، انقلب عليها الدولة العميقة، وخرجت من الحكم منهكة.
الإمام يجيب ضمنيًا: قفزت الحركة إلى المهمة الثانية قبل إكمال الأولى. لم تستكمل بناء «جماعة المسلمين القطرية» — رجالًا مرَبَّين منتشرين في الشعب — قبل ولوج الميدان السياسي. النتيجة: سلطة بلا قاعدة. والسلطة بلا قاعدة سراب يبدّد. الترتيب ليس بطئًا، بل ضمانًا للاستقرار.
حركة إسلامية أخرى، استمرت ثلاثين عامًا في «التربية والتنظيم». كوادرها متينة، رجالها مربون، صفها متماسك. لكنها ترفض الميدان السياسي بحجة «الفتنة». الناس ينظرون إليها بإعجاب، لكن واقعهم لا يتغير. والجبر يستغل سكوتها.
الإمام صريح: «جند الله بعد التربية والتنظيم وأثناءهما يجب وجوبًا ملحًا أن يلجوا الميدان السياسي». التربية بلا أفق سياسي تتحول إلى تصوف اجتماعي. الجماعة التي لا تتطلع إلى مهمتها التالية تذبل تربيتها أيضًا، لأن التربية الإسلامية متجهة نحو فعل. الجماعة المنفصلة عن الدولة جماعة مبتورة.
مفكر إسلامي مخلص، يطلق دعوة لـ«الخلافة العالمية الآن». يجمع المؤمنين من شتى البلاد على إعلان واحد، ويعتبر العمل القطري «تكريسًا للحدود الجاهلية». دعوته جذابة، لكنها بلا حامل عملي: لا قطر مُحرَّر، لا دولة قائمة، لا وحدة مُمَكَّنة.
هذه قفزة من الأولى إلى الرابعة. الخلافة بدون أقطار محررة شعار بلا مضمون. ولهذا قال الإمام: «البناء لا يمكن من أعلى». الفكرة الكبيرة قبل الواقع الصغير = خيال. والإمام لا يرفض الفكرة، بل يضعها في موقعها: الذروة لا الأساس. إصلاح الترتيب لا يلغي الغاية، بل يجعلها ممكنة.
التيارات الثلاثة الأولى ليست خاطئة في كل ما تقوله — كلٌّ منها يعتني بمرحلة مهمة. خطؤها أنها أخذت جزءًا وتركت الكل. الانعزالي صدق في رؤيته لخطورة السياسة بدون تربية، لكن أخطأ بالتوقف عندها. الانقلابي صدق في إلحاحه على المسؤولية السياسية، لكن أخطأ بالقفز. الإمام يحتفظ بصدق كل تيار في موقعه: التربية، ثم الدولة، ثم الوحدة، ثم الخلافة.
الخلافة غاية ذروة لا غاية أساس. ومن جعلها غاية أساسًا قفز فوق المراحل وانهار. السلّم المتدرج — جماعة قطرية، فدولة قطرية، فتوحيد، فخلافة — ليس تنازلًا عن الحلم، بل الطريق العملي الوحيد لتحقيقه. الإمام يحفظ الحلم بأن يضعه في ترتيبه الصحيح، لا أن يصرخ به في غير وقته.
المهمات الأربع لا تنفّذ بأي طريقة. الإمام ينقلنا إلى السيرة النبوية ليستنبط أسلوبًا حركيًا متكاملًا قائمًا على أربعة أركان: المحجة اللاحبة، الخط السياسي الواضح، الثمن، والمرونة. هذه الأركان الأربعة تشكل «كيف» المنهاج، بعد أن رسم المحوران السابقان «ماذا» و«من أين».
أحد طرفين متقابلين: إما عنف انقلابي مكشوف ينتهي بمعركة سريعة (وغالبًا بهزيمة)، أو سرية متخفية تنطوي على نفسها فتفقد التغذية الشعبية. كلاهما يلعب لعبة العدو من حيث لا يدري.
«محجة لاحبة وهدف معلن»: تحدٍّ صريح للطاغوت، خطٌ سياسي واضح، استعداد لدفع الثمن، ومرونة تكتيكية في الجزئيات دون انحراف في الكليات. لا مكشوف ساذج، ولا مختفٍ خنوع.
الإمام يستحضر السيرة بدقة: «لم تكن سيرته صلى الله عليه وسلم وجهاده ملتويين». النبي ﷺ عمد إلى رأس الكفر فتحداه. ثم صبر. ثم هاجر. ثم واجه. هذا الأسلوب يجمع بين الوضوح المبدئي والحكمة العملية. الأركان الأربعة التي سيعرضها الإمام كلها تفصيل لهذا الأسلوب النبوي. وكلها رد على المغالطة الشائعة: «أن تكون مع النبي ﷺ يعني أن تتحدى بلا حسبان أو تختفي بحجة الحكمة».
ينطلق الإمام من نص آية: «﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾» — التركيز على «منكم». ثم يستعرض الأدلة على شروط هذه «المعية»: تأخير الصلاة عمدًا كفر، والكفر بواح يسقط الطاعة. السؤال ليس هل القومة جائزة، بل من هو الذي يجوز القومة عليه. وهذا تحويل دقيق للسؤال من «جواز فعل» إلى «وصف موصوف». الجواب: من خرج عن دائرة «منكم» سقطت طاعته بنص النبي ﷺ: «لا طاعة لمن عصى الله».
الإمام يفصّل أربعة أركان مترابطة. كل ركن يكمل الذي قبله، وغياب أي ركن يفسد المنهج كله:
«مظلة سياسية يعلم الكل ماذا تعني الكلمات». الدعوة لتوبة الحاكم على نمط عمر بن عبد العزيز، تربية الجيل، تنظيم الصف القطري المنتشر في الشعب.
الفصل بين عصيان حاكم خرج عن الإسلام وبين «معارضة الأحزاب» السياسية. شرح القضية للشعب: الظلم الطبقي، التبعية، الاقتصاد، التعليم، القضاء.
«إن أطعتموهم أضلوكم. وإن عصيتموهم قتلوكم». «لموت في طاعة خير من حياة في معصية». الموقف الاستشهادي كأبلغ مساهمة (سيد قطب نموذجًا).
المشاركة في الديمقراطية حيث أمكن (مثال المودودي)، الميثاق الإسلامي مع الحاكم المنتبه (مثال باكستان)، التسرب إلى أجهزة الدولة لخدمة الدعوة.
الأركان الأربعة متكاملة لا متعاقبة: المحجة اللاحبة تحفظ من الانحراف، والخط السياسي الواضح يحفظ من السرية الخانقة، والثمن يحفظ من الجبن، والمرونة تحفظ من التهور. غياب أي ركن يحوّل الباقي إلى نقيضه: محجة بلا مرونة = تهور؛ مرونة بلا خط = ذوبان؛ خط بلا ثمن = جعجعة؛ ثمن بلا محجة = ضحية بلا غاية. هذه هي «خامة الزرع» النبوية: تنحني للريح ولا تنكسر.
ألحّ سهيل بن عمرو في كتابة الصلح على محو البسملة ومحو نسبة الرسالة إلى محمد ﷺ من الصحيفة. الصحابة احتدّوا. لكن النبي ﷺ — وهو سيد الموقف — محاها بيده الكريمة.
الإمام يستحضر هذا المثال لتعليم المرونة دون انكسار. النبي ﷺ لم يتنازل عن دعوته، تنازل عن صياغة شكلية وقت تحقيق هدف استراتيجي أكبر. هذه «خامة الزرع» النبوية: «من حيث أتتها الريح كفتها، فإذا سكنت اعتدلت». الفاجر كالأرزة — صلب جامد ينكسر. المؤمن لين في الجزئية، صلب في الكلية. الفرق بين المرونة والذوبان: المرونة مرحلة في طريق ثابت، الذوبان نهاية الطريق.
حركة إسلامية في بلد يفتح باب الحريات نسبيًا. تشارك في الانتخابات، تدخل البرلمان. هل هذا تنازل عن المنهاج؟
«هذا جيد، مع السكوت المؤقت الضروري عن أن الإسلام له مشروعيته، وهي شيء آخر غير مشروعية الديمقراطية». المشاركة وسيلة تكتيكية لا اعتراف عقدي. الإمام لا يخلط بين جواز الفعل وجواز الإقرار العقدي. تستفيد من المنابر لتبليغ القضية، لكن لا تجعل «الديمقراطية» مرجعيتك. هذه مرونة في الأداة، صلابة في الغاية. ومن خلطهما ضاع منه المنهاج.
ولاية يحكمها «نظام غير ديمقراطي يتقرب للإسلام» (كباكستان أيام الجنرال ضياء الحق التي يشير إليها الإمام). ما الموقف؟
«يمكن للمؤمنين أن يطلبوا من الحكام المحتاجين لسند شعبي ميثاقًا إسلاميًا يُعلن على الجميع، ويصوت عليه الشعب، ويعطي الحكام عهودهم على العمل لتهييء الحكم الإسلامي بعد مرحلة انتقالية تحدد». هذا تطبيق دقيق للمرونة: الحاكم ضعيف يحتاج شرعية، الحركة قوية تملك جماهير. الميثاق يحوّل الحاجة المتبادلة إلى عهد موثق. لاحظ: ميثاق معلن (لا اتفاق سري)، يصوت عليه الشعب (لا صفقة نخبوية)، له مرحلة انتقالية محددة (لا وعود مفتوحة). هذه ركائز الاستفادة من الفرصة دون السقوط في الفخ.
أخطاء التيارات الثلاثة الأولى ليست في ما لديها، بل في ما ينقصها. التكفيري عنده ثمن — حسن، لكنه بلا مرونة فينكسر. الإصلاحي عنده مرونة — حسن، لكنه بلا ثمن فيذوب. الإمام لا يأخذ موقفًا توافقيًا بينها، بل يجمع صدقها كلها: يصدق التكفيري في ضرورة الثمن، ويصدق الإصلاحي في ضرورة المرونة، ويصدق المعتدل في ضرورة الحفاظ على الجماعة. ثم يبني عليها محجة لاحبة وخطًا واضحًا هما من حصة المنهاج وحده. المنهاج النبوي يضم صدق الجزئيات في كلّ متماسك.
السؤال «كيف نؤدي المهمات؟» جوابه ليس ركنًا واحدًا (محجة، أو خط، أو ثمن، أو مرونة)، بل الأركان الأربعة معًا. كل تيار إسلامي معاصر اختزل المنهج في ركن وأهمل الباقي. المنهاج النبوي الجامع يحفظ التوازن بين الوضوح المبدئي والحكمة العملية، بين الصلابة في الكليات والمرونة في الجزئيات، بين قبول الثمن وعدم التهور. هذه «خامة الزرع» النبوية.
الفصل الأول هو الجسر بين النظرية والتطبيق. ينطلق من سورة البلد ليبني ثلاثية متكاملة: تشخيص ما يمنع الصعود، تحديد ما يجب إنجازه، وبيان كيف يُنجز. هذه الثلاثية تُجيب عن السؤال «كيف نخرج من الكبد إلى الميمنة جماعيًا؟».
ثلاث نفسية اجتماعية: الذهنية الرعوية، الأنانية المتمتعة، تيار التبعية. وأربع موضوعية: التخلف العلمي، انبهار التكنولوجيا، العزل السياسي، التواكل الداخلي. التشخيص مركّب فالعلاج مركّب.
سلّم متدرج من أربع: جماعة قطرية، فدولة قطرية، فتوحيد الأقطار، فالخلافة الوارثة. التداخل والتزامن متى كانا حكمة، لكن لا قفز عن مرحلة. الخلافة ذروة لا أساس.
أربعة أركان: محجة لاحبة، خط سياسي واضح، استعداد للثمن، مرونة تكتيكية. غياب أي ركن يحوّل الباقي إلى نقيضه. هذا هو الأسلوب النبوي الجامع.
الترابط بين المحاور دقيق: تشخيص العقبات يكشف الحاجة إلى الجيل الجديد. تحديد المهمات يكشف ضرورة الترتيب. بيان الأداء يكشف توازن الأركان. ثلاثة محاور = ثلاث إجابات على ثلاثة أسئلة (لماذا الصعود صعب؟ ماذا نصعد إليه؟ كيف نصعد؟). من فهم هذا الفصل فهم قلب المنهاج العملي.
اقتحام العقبة ليس قرارًا فرديًا فحسب، ولا مشروعًا سياسيًا فحسب. هو صناعة جيل جديد من الرجال يقتحمون عقبتين معًا: عقبة النفس (شُحها وكبدها)، وعقبة الواقع (جبره وعقباته). كل عقبة منهما تستلزم الأخرى — لا تربية بلا أفق سياسي، ولا سياسة بلا تربية. والاقتحام الجماعي يتدرج في سلّم مرتب، بأركان أربعة لا تنفك، حتى تكون الخلافة الموعودة ثمرةً طبيعية لا قفزة معجزة.
الدعوة إلى الله تخاطب الإنسان من حيث كونه إنسانًا في كبد، تستحثه للنهوض من الجهل بالله والقعود عن الجهاد في سبيل الله. تشجعه على اقتحام العقبة التي يتجاوز باقتحامها عوائق الشح المجبولة عليه النفوس، فيصبح مؤهلًا للانضمام لجماعة المؤمنين المتواصين بالصبر والمرحمة، المصطفين للميمنة والسعادة عند الله.
التربية الإسلامية تخاطب أعمق ما في الإنسان وهو شعوره بالخواء والعبث ما دام بعيدًا عن الله. ثم ترفعه في صحبة المؤمنين المتواصين الصابرين المتراحمين إلى طلب أسمى غاية وهي وجه الله والاستواء مع أصحاب الميمنة. الالتزام الإسلامي الإيماني الإحساني ليس كالالتزام السياسي. فهذا لا يحتاج إلا لتربية الفكر. أما الدخول مع المؤمنين فيريد اندماجًا عاطفيًا وفكريًا وحركيًا في جسم الجماعة، اندماجًا لا ينقطع بانتهاء الحياة الدنيا بل يمتد إلى الحياة الأبدية.
السؤال المطروح على فقه التجديد وعلى المنهاج النبوي في التربية والتنظيم هو: كيف نربي الإيمان في القلوب، وعلم الجهاد في العقول، ودراية التحرك بين الناس، وطلب الشهادة في سبيل الله مع الصف وبنظام الصف؟
عقبات كثيرة أمام المؤمن وأمام جماعة الجهاد يمكن تلخيصها في ثلاث لكل منها بعد نفسي تربوي وبعد اجتماعي تنظيمي:
1- الذهنية الرعوية. وهي ذهنية النفوس القاعدة التي تنتظر أن يفعل بها ولا تفعل، وأن يدبر غيرها لها وهي لا تقدر أن تدبر. أولئك قوم يحق عليهم قول رسول الله ﷺ: «من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بغزو مات على شعبة من نفاق».
2- الأنانية المستعلية أو المتمتعة. يعوق أصحابها عن اقتحام العقبة امتلاء مما هم فيه وطلب المزيد مما هم فيه. قوم ظلموا أنفسهم وظلموا الناس.
3- العادة الجارفة للمجتمعات المسلمة في تيار التبعية للوضع السائد، المانعة لنا أن نعرف معروفًا بميزان الشرع، أو ننكر منكرًا يذمه الشرع، فتنة!
ثلاث تغييرات ضروري أن يحدثها الدعاة بتربيتهم وتنظيمهم في الجو الفكري والنفسي والعملي في الأمة. ودون التغيير مقاومة الحكام واضطهادهم للدعاة. دونه جهل المسلمين بالإسلام. دونه هذه الحضارة المادية التي احتلت نفوسنا وأرضنا وحياتنا السياسية واليومية ببضائعها وأفكارها وصنائعها فينا ومكرها.
عقول متخلفة تحتاج بعد نور الإيمان إلى نور العلم بالله ودينه وإلى العلم بنواميس الله في الكون، عقبة! عند الجاهلية تقدم تكنولوجي يبهر النفوس الضعيفة فتعرض عن الإيمان بالله تبعية وخنوعًا. عقبة! جند الله مندوب ليزيل الظلم الطبقي ويصد العدوان الجاهلي. ونحن معزولون عن الحكم في بلادنا، محاربون من خارج بتمالؤ حكام الجبر فينا. عقبة! يقول المتواكل: أين نحن من القدرة على هذه المهمة الضخمة؟ عقبة! ويقول المتوكل: إذا كان الله معنا فلن نغلب من قلة، ولن نفشل إن اتخذنا كل ما في وسعنا من أسباب! ونحن لها صعودًا إلى قمة العقبة إن شاء الله!
اقتحام العقبة بالنسبة للفرد المؤمن جهاد لنفسه كي تستقيم على طاعة الله، وجهاد مع المؤمنين المتواصين الصابرين المتراحمين لإقامة دين الله في الأرض. وبالنسبة لجند الله المنظمين فإن اقتحام العقبة جهاد تربوي وتنظيمي وميداني ومالي وقتالي وسياسي حتى تقوم دولة الإسلام الخليفية على منهاج النبوة.
مهمات جند الله بدءًا من أسفل العقبة، وهو واقعنا كأمة متخلفة مقهورة، وانتهاءً إلى قمة العقبة بإقامة الأمة الوارثة في مقام الخلافة عن الله ورسوله، هي بالترتيب الذي لا يمنع التداخل والتزامن متى كانا حكمة:
1- تأليف جماعة المسلمين القطرية وتربية رجالها وتنظيمهم.
ينبغي أن نربي رجالًا فوق مستوى الانتماء التعصبي، فغيرهم لن يبنوا جماعة. لا بد من تربية رجال يكونون مع الحق لا مع الهوى. قال الإمام علي كرم الله وجهه لابن الكواء: «الجماعة والله مجامعة أهل الحق وإن قلوا، والفرقة مجامعة أهل الباطل ولو كثروا». وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه: «الجماعة ما وافق الحق ولو كنت وحدك».
2- إقامة الدولة الإسلامية القطرية: جند الله بعد التربية والتنظيم وأثناءهما يجب وجوبًا ملحًا أن يلجوا الميدان السياسي، ويعدوا كل القوة، ويوجهوا كل الجهد للوصول إلى الحكم في قطرهم. لا ينتظر المؤمنون أن يبدأ انتصار الإسلام في العالم بمعجزة من السماء. ليكن الهدف المباشر هو الزحف الأرضي للاستيلاء على الحكم.
3- توحيد الأقطار الإسلامية: المسلمون المجاهدون أمة واحدة عبر الحدود الفتنوية. قبل تحرير الأقطار لا بد من تنسيق بين الجماعات عبر العالم. ذلك تهييء الفكر، والاجتهاد، ومنهاج التربية والتنظيم، ومنهاج الحكم، ليوم تتحرر فيه الأقطار، فيلتقي المؤمنون ويتدرجوا لوحدة الاندماج. على أن صورة الوحدة يمكن، بل يستحسن لمزايا توزيع المسؤوليات، أن تكون من نوع ما يسميه العصر فيدرالية.
4- الخلافة الوارثة: عندها يجب على المؤمنين في العالم أن ينصبوا خليفة عليهم باجتماع أولي الأمر من رجال الدعوة والدولة الإسلاميين، وانتخاب خليفة لرسول الله ﷺ عليهم. وقبل الوصول إلى نظام الخلافة، يقام إمام قطري في كل بلد تحرر.
قام رسول الله ﷺ بدعوته وجهاده، وكان مؤيدًا بالوحي. لم تكن سيرته ﷺ وجهاده ملتويين، بل عمد إلى رأس الكفر كما فعل رسل الله من قبله فتحداه. ثم صبر هو وأصحابه، وصانعوا ظروفهم، حتى أذن الله لهم بالهجرة، وبعد الهجرة كانت المواجهة والمصابرة حتى نصر الله.
المنهاج النبوي في التحرك الجهادي بين أيدينا نقرأه في السيرة العطرة. وعلينا اتباعه في الخط الرئيسي، والاجتهاد في جزئيات الحركة. فعلى المؤمنين أن يقول بعضهم لبعض: «بأيدينا نسأل الله أن ينزل قدره. فهات يدك نتحاب ونتعاهد على نصر الله». وللزحف محجة لاحبة وهدف معلن، ومرونة ضرورية، وثمن معلوم.
1- المحجة اللاحبة: لا نكذب على حكام الجبر ولا على أنفسنا عندما ندعوهم للتوبة والسلوك مسلك عمر بن عبد العزيز: إنما نتحداهم ونتخذ مظلة سياسية يعلم الكل، نحن وهم، ماذا تعني الكلمات. على المؤمنين أن يعمقوا ثقتهم بالله، ويربوا جيلًا وأجيالًا، وينظموا صفًا قطريًا متينًا منتشرًا في الشعب، يعلمه، ويستنهضه، ويحرضه على الإيمان استعدادًا ليوم نبلغ فيه أشدنا ويبلغ فشلهم غايته، فيزلزل حزب الله أنظمة الجبر.
لم تنجح حتى الآن حركة إسلامية في الوصول إلى الحكم بغير هذا المسلك الوعر الطويل. إيران أمامنا. أما إيثار العافية، والسكوت الأخرس عن الحق، وهامشية السرية، فليست من سنة رسل الله. نوح عليه السلام قال لقومه: «فأجمعوا أمركم وشركاءكم». وقال هود: «فكيدوني جميعًا ثم لا تنظرون». وقال شعيب: «اعملوا على مكانتكم إني عامل». وقيل لمحمد ﷺ: ﴿قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ﴾.
المهم جدًا ألا نذهب هدرًا، وأن يدفع الأعداء ثمنًا باهظًا لحياتنا، وأن يترك استشهادنا دويًا ومثلًا لمن بعدنا. لا نقول كلمة الأفغاني «قل كلمتك وامش». نقول إن واجب الدعاة أن يربوا وينظموا ويزحفوا. لكن لا بد من دفع الثمن والتربية بالمواقف الناصعة. فلعل مجاهدًا مثل سيد قطب رحمه الله كانت شهادته في سبيل الله أكبر مساهمة في دفع قضية المسلمين إلى النصر.
2- الخط السياسي الواضح: لا تجد في صفوف الأحزاب السياسية ترددًا أن تعلن عزمها على فرض نظامها. أفنكون نحن أخس همة، وأبلد فكرًا، ونحن مسلمون؟ قد علمنا رسول الله ﷺ كيف نتصرف، إذ استعمل كل وسائل عصره: من الدخول تحت حماية كبير مشرك، ومن عقد معاهدات التعايش، ومن ربط أحلاف، إلى ما سوى ذلك من خدع الحرب ورأي الفطناء.
السياسة الشرعية هي التصرف في الشؤون العامة بما لا يصطدم مع الشريعة. فأول سؤال يطرح: هل يجوز القيام على حكام الجور؟
نقف عند قوله «منكم». أَمنا من سفك دماء المؤمنين في مصر وغيرها؟ أَمنا أمثال من عذب المؤمنات الطاهرات بما لم يعذب به أحد في تاريخ البشر؟
اتفق الصحابة على أن من أخر الصلاة عن وقتها عمدًا فقد كفر. هذا في حق عامة الناس، فما بالك بالحاكم! من أخر الصلاة عن وقتها عامدًا كفر، ومن أخرها فقد تركها، ومن تركها أصبح منهم لا منا، فلا طاعة له علينا.
3- الثمن: ثمن رضى الله: يحرم علينا السكوت والرضى وطاعة من يعصون الله. وإنه الثمن يؤدى. روى أبو نعيم أن رسول الله ﷺ قال: «ألا إنه سيكون عليكم أمراء يرضون لأنفسهم ما لا يرضون لكم، إن أطعتموهم أضلوكم. وإن عصيتموهم قتلوكم». قالوا: «وما نفعل يا رسول الله؟» قال: «كما فعل أصحاب موسى، حملوا على الخشب، ونشروا بالمناشير. فوالذي نفس محمد بيده، لموت في طاعة خير من حياة في معصية».
خطنا السياسي الواضح أننا لا نعارض حكام الجبر معارضة الأحزاب على مستوى تدبير المعاش بل نعصيهم لأنهم خرجوا عن دائرة الإسلام. الأمر أعمق وأخطر وأشد صرامة من مجرد المعارضة السياسية.
لا بد أن نشرح للشعب وللشباب ماذا يعني التحول الإسلامي بالنسبة للظلم الطبقي، بالنسبة للتبعية، بالنسبة للمستقبل الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. نتحدث عن الخبز اليومي، عن العامل المهضوم الحق، عن أب الأسرة المقهور، عن الفلاح المستغل، عن التعليم وفساده، عن القضاء ورشاه. الله ما أمر بشيء مثل ما أمر بالعدل. فلا نكن أقل إلحاحًا على هذه النقطة من الشيوعيين.
نريد تغييرًا جوهريًا. علينا أن نكون لا على مستوى العصر الذي تتحكم فيه الجاهلية، بل على مستوى مستقبل نقترحه نحن على التاريخ، ونصنعه، ونخترعه على هدى من الله. يجب أن نصنع فكرًا مستقبليًا يلقي على آفاق هذا القرن الخامس عشر، قرن الإسلام بإذن الله، نور القرآن ونور الهدي النبوي.
4- المرونة: قد يكون بعضنا تحت نظام من أنظمة الجبر فتح باب الحريات العامة. هذا فخط عالمنا المودودي رحمه الله أن يساهم المسلمون في اللعبة الديمقراطية. هذا جيد، مع السكوت المؤقت الضروري عن أن الإسلام له مشروعيته.
وقد يكون بعضنا تحت نظام غير ديمقراطي يتقرب للإسلام، عندها يمكن للمؤمنين أن يطلبوا من الحكام ميثاقًا إسلاميًا يعلن على الجميع، ويصوت عليه الشعب، ويعطي الحكام عهودهم على العمل لتهييء الحكم الإسلامي بعد مرحلة انتقالية.
عندما ألح سهيل بن عمرو في كتابة صلح الحديبية على أن يمحي من الصحيفة البسملة ونسبة الرسالة إلى محمد ﷺ فمحاها نبي الرحمة بيده الكريمة. هذا الصبر عند البلاء ومرونة خامة الزرع.
السياسة الشرعية تجيب أن القومة الإسلامية على حكام الجبر مشروعة، ولا يصطدم بالشرع أي من الرأي والخدعة الحربية والمكايدة. ومن الرأي والخدعة أن نكتب هذا ونعلنه لمن يعلم قواعد اللعبة السياسية. أما غيره فيحسب أن الرأي والكيد في أن يخفي أمره فلا يعرفه أحد، فتنسب إليه الطوام، وتنصب له الحبائل، ويسقط مضغة في قبضة الطاغوت. والله من ورائهم محيط. وإنها لعقبة واقتحام.