⌂ الرئيسية
⁕ الباب الثاني ⁕ المرجعية العقدية والتربوية ⁕

تجديد الدين والإيمان

من بِلى الإيمان إلى تجدّد جند الله

إذا كان الفصل الأول رسم الطريق (العقبة، المهمات، الأركان)، فإن الفصل الثاني يضع الأساس النفسي والعقدي الذي يُبنى عليه كل شيء. ينطلق من حقيقة محورية: الإيمان يبلى كما يبلى الثوب فيُجدَّد. ثم يحدد سلم الترقي (إسلام → إيمان → إحسان)، ويختم ببنية «الخصال العشر» التي ستكون عمود الكتاب.

﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ — قال ﷺ: «جدّدوا إيمانكم» — قيل: «وكيف نجدّد إيماننا؟» قال: «أكثروا من قول لا إله إلا الله»

⁕ خارطة الفصل: ثلاث خطاطات تحليلية ⁕

١
⁕ المحور الأول ⁕ التشخيص الباطن ⁕

التجديد

لماذا نحتاج تجديدًا أصلًا؟ لأن الإيمان ليس حالة ساكنة، بل حياة متدفقة قابلة للبلى. الإمام يكشف عن هذا القانون النفسي العقدي ثم يستخلص منه منهجًا تربويًا متكاملًا، يميّزه بحدّة عن «العصرنة» التي تطلب تغيير الثابت.

1

أول خطوة: التمييز بين «التجديد» و«العصرنة»

كلمتان متشابهتان ظاهرًا، متناقضتان حقيقة. كل منهما يدعي خدمة الإسلام، لكن إحداهما تحفظ جوهره والأخرى تذيبه:

التجديد النبوي

تجديد الإيمان في القلوب بعد بلاه — لا تغيير في شرع الله. الأحكام ثابتة، والبواعث هي التي تُحيا. التجديد يعمل على قوة الدافع لا على محتوى الأمر. فالصلاة كما هي، لكن قلب المصلي ينبعث بالشوق فيؤديها بحياة لا غفلة.

العصرنة الجاهلية

تطويع الإسلام لمقاسات العصر. «دعاة العصرنة يودّون لو نقصنا من الإسلام هذه الصلاة المستغرقة للوقت، وهذا الصيام المرهق للعمال، وصيّرناه إيديولوجية بلباس عصري». تغيير المحتوى لا تجديد الباعث. هي محو الإسلام باسم تطويره.

⚑ صياغة دقيقة من الإمام

الفرق ليس درجة، بل اتجاه: «الاجتهاد ضروري لتكييف حياة العصر مع شرع الله، فهو تسليم العصر لا عصرنة الإسلام». لاحظ التعبير: تسليم العصر لا تطويع الإسلام. الاجتهاد ينقل العصر إلى الشرع، والعصرنة تنقل الشرع إلى العصر. كلاهما حركة، لكن الاتجاه معكوس. ومن لم يفطن لهذا الفرق ادعى التجديد وهو يهدم.

2

السؤال الإشكالي: كيف نعرف معنى التجديد ومن يجدد وبم يجدد؟

الإمام يصرّح بأنه لا يبحث في التجديد للاطلاع، بل لمقصد عملي حركي:

ما معنى التجديد؟ ومن المجدِّد؟
وبأي مادة يجدد؟ وبأي وسيلة يجدد؟
وكيف نضمن أن يكون جهادنا منضبطًا بالسنة، سائرًا على منهاج النبوة؟
السؤال ليس نظريًا. هو سؤال تشغيلي: لو لم نعرف الإجابة بدقة، لكان جهادنا اجتهادات مرتجلة.
وكثير من حكام الجبر يدعون لقب «مجدد القرن». فهل التجديد يعرّف من الكلمة أم من الفعل؟
⚑ منهج الإمام في الجواب

يعود الإمام إلى المرجع الأصلي: الأحاديث النبوية الصحيحة التي جاء فيها لفظ التجديد. ثلاثة أحاديث محورية. منها يستخرج الإجابة كاملة: ماذا يبلى (الإيمان في القلب)، من يجدد (مَن يبعثه الله)، بم يجدد (الدين)، كيف يجدد (الإكثار من قول لا إله إلا الله). الجواب من النص لا من الرأي.

3

الأحاديث الثلاثة في التجديد: بنية متكاملة

الأحاديث ليست منفصلة، بل تشكل منظومة متكاملة: حديث يكشف المشكلة، حديث يبشر بالحل، وحديث يصف الدواء:

⚑ الحديث الأول — التشخيص
«إن الإيمان يخلق (أي يبلى) في القلب كما يخلق الثوب، فجدّدوا إيمانكم»
رواه أحمد، الطبراني، الحاكم — وحسنه السيوطي
⚑ الحديث الثاني — البشارة بالمجدد
«إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها»
رواه أبو داود، البيهقي، الحاكم — بسند صحيح
⚑ الحديث الثالث — وصف الدواء
«جدّدوا إيمانكم» — قيل: «يا رسول الله وكيف نجدد إيماننا؟» — قال: «أكثروا من قول لا إله إلا الله»
رواه أحمد، الطبراني — رجاله ثقات، صححه السيوطي
⚑ ما تَحصَّل من الأحاديث الثلاثة

أربع حقائق منهجية:

(1) الإيمان يبلى فيجب تجديده. (2) ويضعف فتتعين تقويته. (3) الأمة تكلؤها عناية الله فيبعث لها من يجدد دينها. (4) الإيمان يعالج بـطب موصوف لا لبس فيه: الإكثار من قول لا إله إلا الله.

والإمام يلتقط ملاحظة دقيقة: «مَن» في الحديث قد تعني شخصًا أو جماعة. «قد تعني شخصًا بعينه كما تعني جماعة يتعاونون على إحقاق الحق بعد إبطال الباطل». بهذا يتحول التجديد من انتظار شخص إلى مهمة جماعية يتشرف بها كل صف.

4

التسلسل المنطقي: من بلى الإيمان إلى الدواء

1
قانون نفسي عقدي: الإيمان ليس ميراثًا ثابتًا، بل حياة متدفقة تخضع لقانون البلى مثل كل ما هو حي. هذا تشخيص نبوي قطعي: «كما يخلق الثوب».
2
الموقع الذي يبلى: «موطن الإيمان القلب، بل هو منطلق الإيمان». ليس اللسان (يبقى ينطق) ولا الأركان (تبقى تتحرك). البلى في المنبع، فيظهر الأثر في فقدان الباعث.
3
الأثر العملي للبلى: «إن خبت بواعث الإيمان في القلب بطل العمل ونطق اللسان نفاقًا». الإيمان البالي يُنتج صورة دين بلا روح. وهذا أخطر من الكفر الصريح لأنه يخدع صاحبه.
4
الأثر العكسي للتجديد: «متى قوي الإيمان في القلب بتجديده اشتدت بواعث العمل الصالح». التجديد ليس حدثًا منفصلًا عن العمل، بل موقد الإرادة الذي ينبثق منه كل عمل صالح.
5
المهمة المنهاجية: «التجديد المطلوب للأمة هو تجديد بواعثها» — أفرادًا بالتربية، وجماعةً بتجدد بواعث أعضائها. تجديد فردي يصب في تجديد جماعي. لا انفصال.
6
الدواء النبوي: الإكثار من قول لا إله إلا الله، باللسان أولًا. ليست مئات بل آلاف المرات «بالعشي والإبكار وما بينهما». الدواء بسيط في صياغته، قوي في أثره، لأنه يخاطب القلب عبر اللسان.
5

أمثلة تطبيقية: «بلى الإيمان» في الواقع المعاصر

⚑ مثال 1: المسلم الذي يصلي ولا يحرّك قلبَه شيء

مسلم منتظم في صلواته، يحضر الجمعة، يصوم رمضان. لكنك تلاحظ أن وجهه لا يتغير حين تذكر الله، وكلامه عن الدنيا أكثر من كلامه عن الآخرة، وتعليقاته على معاصي العصر باهتة. الأركان قائمة، والقلب بارد.

ما تشخيص الإمام؟

هذا إيمان بالٍ بحرفية النص النبوي: «يخلق في الجوف كما يخلق الثوب». لا يحتاج هذا المسلم إلى دروس فقهية جديدة (الأحكام يعرفها)، ولا إلى مزيد من التذكير العقدي (يصدق بكل أركان الإيمان). يحتاج إلى تجديد الباعث: إكثار من ذكر، صحبة صالحة، مواقف يلامس فيها معنى التوحيد. المشكلة ليست في علم بل في حرارة.

⚑ مثال 2: الداعية الذي خفت حماسه بعد سنوات

داعية عرف الالتزام مبكرًا. سنواته الأولى كانت ملتهبة: قلب متشوّق، جوارح مبادرة، ساعات في الذكر، لقاءات في الدعوة. بعد عشرين سنة، أصبح «شيخًا محترمًا»: يخطب، يفتي، يعقد المجالس. لكنه يشعر — في خلوته — أن روحه ليست كما كانت. الأعمال أكثر، والحرارة أقل.

هل هذا «نضج طبيعي»؟

الإمام يكشف الخدعة: هذا ليس نضجًا، بل بلى. النبي ﷺ لم يقل «الإيمان يستقر» بل قال «يبلى». الذي يهدّئ من حرارة الداعية ليس النضج، بل البلى الذي يخدعنا بأنه «وقار». ولهذا قال الإمام: «الإكثار منها ركن أساسي في التربية». حتى الداعية الكبير يحتاج تجديدًا يوميًا، لا مرة واحدة في حياته. التجديد ليس مرحلة شباب، بل قانونًا دائمًا.

⚑ مثال 3: الجماعة التي مرّ على تأسيسها أربعون سنة

جماعة إسلامية عريقة. أُسست في الستينات، رجالها الأوائل كانوا أحياءً بالإيمان، نُصِبوا في كل مكان. بعد أربعين سنة، الجماعة قائمة، مؤسساتها ضخمة، أعضاؤها عشرات الآلاف. لكن من يراقب يلاحظ أن الجيل الثاني والثالث ليسوا كالجيل الأول. التنظيم بقي، الروح ترقّقت.

ما الذي يحصل؟

الإمام يربط هذا بقانون البلى الجماعي: «تجديد بواعثها لتقوم، أفرادًا تجدد إيمانهم بالتربية، وجماعةً تجددت قوتها بتجدد بواعث أعضائها الإيمانية». الجماعات تبلى كما يبلى الأفراد، لكن بآلية مختلفة: التنظيم يبقى لأن الهيكل مادي، والروح تذبل لأنها معنوية. والتنظيم بدون روح يصبح بيروقراطية إسلامية. التجديد الجماعي ليس ترفًا، بل شرط بقاء.

6

مفهوم التجديد بين المدارس الفكرية الإسلامية

المدرسة 1
المدرسة العصرنية الإصلاحية
ترى التجديد تطويرًا للأحكام لتلائم العصر. تعدّل الفقه، تُلين الأركان، تُعصرن الإسلام. الخلل: تخلط بين الثابت والمتحول، فتمسّ الأصول.
المدرسة 2
المدرسة السلفية الحرفية
ترى التجديد إحياء النصوص الأولى ومحاربة البدع. تركز على تنقية العقيدة. الخلل: تختزل التجديد في النص دون الباعث، فتعطي علمًا بلا حياة.
المدرسة 3
المدرسة الصوفية المنعزلة
ترى التجديد إحياء قلوب الأفراد فحسب. تركز على الذكر والمراقبة. الخلل: تنفصل عن البعد الجماعي والمنهاجي، فتصنع أفرادًا متفرقين.
المدرسة 4 — الإمام
المدرسة المنهاجية الجامعة
ترى التجديد تجديد بواعث الأمة فردًا وجماعة: ذكرٌ يحيي القلب، تربية تربط الفرد بالصف، اجتهاد يطوّع العصر للشرع. تجمع البواعث الفردية والإطار الجماعي.
⚑ النقطة الفاصلة

الإمام لا يلغي صدق المدارس الثلاث الأولى، بل يضع كل منها في موقعها الصحيح: العصرنية صادقة في حاجة الاجتهاد لكنها قلبت اتجاهه. السلفية صادقة في تعظيم النص لكنها أهملت روحه. الصوفية صادقة في الذكر لكنها انفصلت عن الجماعة. التجديد المنهاجي يحفظ صدق الكل في إطار واحد: ذكر صوفي + نص سلفي + اجتهاد إصلاحي + تنظيم جماعي.

⁕ الفكرة المركزية للمحور الأول ⁕

التجديد ليس تطويرًا للنص، بل إحياءً للباعث. الإيمان يبلى كما يبلى الثوب، فيُعالج بدواء نبوي محدد: الإكثار من قول لا إله إلا الله باللسان أولًا. ومن ظن أنه فوق هذا الدواء بحجة العلم أو التقدم في السن، فقد أنكر تشخيص النبي ﷺ نفسه. التجديد قانون يومي لا حدث استثنائي.

«جند الله زادهم لا إله إلا الله، كلمة مجددة على اللسان، يكثرون منها — بالعشي والإبكار وما بينهما، آناء الليل وأطراف النهار».
٢
⁕ المحور الثاني ⁕ السلم العمودي ⁕

الإسلام والإيمان والإحسان

بعد أن قرر أن الإيمان يبلى ويُجدَّد، يفتح الإمام البعد العمودي: المؤمن لا يبقى في مكانه. هناك سلم متدرج ثلاثي الدرجات بنصّ حديث جبريل، ولكلٍ منا موقع عليه ومسؤولية في الترقي. هذا السلم هو الذي يحدد من هو جند الله ومن دونهم.

1

أول خطوة: التمييز بين «الإسلام العام» و«الإسلام الخاص»

كلمة «إسلام» تستعمل في القرآن والسنة بمعنيين متمايزين، وخلطهما يُفسد فهم السلم كله:

الإسلام بالمعنى العام

كل معاني العبودية لله تعالى مدرجةً في كلمة واحدة. يشمل الإسلام الخاص، والإيمان، والإحسان. هذا هو الدين كله الذي قال الله عنه: «إن الدين عند الله الإسلام». سقف لا أرضية.

الإسلام بالمعنى الخاص

درجة من درجات العبودية: الشهادة، الصلاة، الزكاة، الصيام، الحج. أركان جوارح. هي أرضية لا سقف. كل مَن في هذه الدرجة فقط يُسمى مسلمًا، لكنه ليس بعد مؤمنًا في الاصطلاح القرآني الدقيق.

⚑ لماذا التمييز ضروري؟

لأن من لم يميّز بينهما اكتفى بالمعنى الخاص (أداء الأركان) وظنّ نفسه مكتمل الدين. والإمام يصرّح: «جند الله لا بد أن يكونوا كلهم من المؤمنين، لا يكفي أن يكونوا مسلمين بهذا المعنى الخاص». الإسلام الخاص شرط دخول، الإيمان شرط مهمة. من أداء الشهادتين والصلاة لا يصلح وحده لحمل أعباء جند الله.

2

السؤال الإشكالي: من يصلح أن يكون من جند الله؟

إذا كان كل المسلمين يدّعون الإسلام،
والقرآن يخاطب المؤمنين لا المسلمين بـ«يا أيها الذين آمنوا»،
فعلى أي أساس نُصنِّف الناس ونختار من يحمل المهمة؟
هل كل من شهد الشهادتين يحق له المشاركة في القومة؟
هل التربية تكتفي بأن يصير صاحبها «مسلمًا»؟
أم لا بد من سلم مؤطَّر يُعرف به موقع كل واحد ومسار ترقّيه؟
⚑ تصريح الإمام

الإمام صريح في الجواب: «لا بد لنا من تصنيف الناس في مجتمعاتنا الإسلامية لنعرف أين كل واحد من هذا السلم المرتقي من إسلام لإيمان لإحسان». التصنيف ليس استكبارًا، بل وعيٌ تربوي ضروري. لا يعالج الطبيب الحاد كالخفيف، ولا يكلّف المربي المسلم البدائي بمهمات الإحسان. كل بحسب موقعه على السلم، وكل بحسب استعداده للترقي.

3

السلم الثلاثي بنص حديث جبريل

الإمام يستحضر «حديث جبريل المشهور» الذي رواه الشيخان وأصحاب السنن عن عمر. ويلاحظ أن جبريل عليه السلام نزل في صورة رجل ليُعلمنا الدين لأهمية هذا التفصيل بالذات. ثلاث درجات يشكلن سلمًا صاعدًا:

١
درجة الإسلام — أركان الجوارح

«أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا».

العمل الظاهر — يدخل به الإنسان دائرة الإسلام، لكنه قد يصح ظاهرًا حتى من المنافق.
٢
درجة الإيمان — أركان القلب

«أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره».

التصديق الباطن — به يخاطب القرآن «يا أيها الذين آمنوا». هو شرط جند الله.
٣
درجة الإحسان — حضور القلب مع الله

«أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك».

المراقبة الدائمة — درجة الاصطفاء. لا تُكتسب بالكسب وحده، بل اختصاص إلهي يهيأ له العبد.
⚑ ملاحظة الإمام النفسية

القابليات للكمال الإحساني متفاوتة: «فمنهم من لا استعداد له لتجاوز الإحسان الذي كتبه الله على كل شيء... يتقن أعماله العبادية والجهادية والمهنية حتى يكون نموذجًا. وهذا إحسان ينتظر من كل المؤمنين». ومنهم من يبلغ الإحسان الأعلى: «موقفًا دائمًا أمام الله عز وجل، ذكرًا لجلاله وحضورًا معه ومع أمره وشريعته، وشوقًا إلى النظر إلى وجهه». إحسان الإتقان واجب، إحسان المراقبة اصطفاء.

4

التسلسل المنطقي: من السلم إلى مهمة المربّي

1
الواقع الأولي: في مجتمعاتنا أكثر الناس في درجة الإسلام العام: يشهدون، يصلون أحيانًا، يصومون رمضان. لا يتميزون عن العامة.
2
الترقية الأولى: التربية ترفع المسلم إلى إيمان يتكامل، فيؤهله للدخول في الصف. هذه أول ثمرة تربوية: من إسلام عام إلى إيمان مكتمل.
3
الترقية الثانية: ثم تستمر التربية حتى يتكامل الإيمان فيؤهل صاحبه لـالجهاد في الصف. لاحظ الفرق: «الدخول في الصف» مرحلة، و«الجهاد فيه» مرحلة لاحقة.
4
الترقية الثالثة: «ثم ترقٍّ ثالث يرفع ذوي الاستعداد من رجال الصف إلى مرتبة الإحسان». لا كل المؤمنين يبلغون هذه الدرجة، لكن كلهم يجب أن يتوقوا إليها.
5
القانون الذي لا ينعكس: «لا مفر له إن فتر شوق العبد إلى ربه وحب لقائه إلا دركات النفاق». من توقف عن الصعود لم يبق في موقعه — بل هبط. الإيمان ديناميكي: إما صعود وإما هبوط.
6
الموقف العملي: «الوقوف على الباب، والتذلل بين يدي رب الأرباب من كسب العبد». الإحسان الأعلى اصطفاء، لكن الكسب — السعي إليه — واجب. هذا توازن دقيق: لا تكليف بما لا يطاق، ولا إعفاء من السعي.
5

أمثلة تطبيقية على السلم الثلاثي

⚑ مثال 1: المرشح الجديد للجماعة

شاب أدرك تفاهة حياته السابقة. اقترب من الإخوة، يصلي بانتظام، حضر بعض الدروس. أراد الالتزام والمشاركة في كل برامج الصف فورًا. هل هو مؤهل؟

منهج الإمام في تدريجه

الإمام واضح: هذا في درجة الإسلام، لا الإيمان بعد. لا يستعجل به المربي إلى مهمات الجهاد، بل يكمّل تربيته أولًا حتى يصير «مؤمنًا يتكامل إيمانه». ثم يدخله في الصف. ثم يهيؤه للجهاد فيه. القفز من الإسلام إلى الجهاد بدون مرحلة الإيمان يصنع متهورًا لا مجاهدًا. ولهذا قال الإمام: «لا يتحمل كل الناس أن يسمعوا ولا أن يستجيبوا لنداء المسيرة الجهادية من أول لقاء وعاشر لقاء».

⚑ مثال 2: المؤمن الذي ركن إلى موقعه

عضو قديم في الصف، قام بواجباته، أدى مهماته، ساهم في البرامج. لكنه توقف عن السعي للترقي. لا يكثر من الذكر، لا يجاهد نفسه على الإحسان، يكتفي بمستوى «المؤمن العامل». يقول لنفسه: «الإحسان للأولياء، وأنا مجرد مؤمن عادي».

ما الخطر؟

الإمام يحذر بصرامة: «لا مفر له إن فتر شوق العبد إلى ربه إلا دركات النفاق». الإيمان لا يُحفظ بالاكتفاء، بل بـالسعي الدائم نحو الإحسان. ومن قال «أنا مؤمن وكفى» سيجد إيمانه يبلى. طلب الإحسان واجب على كل مؤمن، حتى لو لم يبلغه. السعي هو الواجب، البلوغ اصطفاء. وفي ذلك «إذا أحبك ألهمك الطلب» — الطلب نفسه علامة محبة الله.

⚑ مثال 3: من ينحصر «كمال الوراثة» في عقله

عالم متبحر، قارئ نهم، حافظ، مفكر. أنتج عشرات الكتب، تتلمذ على يديه آلاف. لكن في خلوته، علاقته بالله علاقة فكرية: تأمل في صفات، استحضار للحجج، قراءة في كتب التزكية. قلبه لم يبلغ ما بلغه عقله.

تنبيه الإمام دقيق

«يخيل لبعضنا أن كمال الوراثة ينحصر في التحصيل العلمي. كلا والله!». الكمال ليس امتلاء العقل، بل اختصاص إلهي ينفتح به باب القرب. التحصيل العلمي «يهيّئ للدخول على باب» — لكنه ليس البوابة نفسها. الإحسان ليس فكرة عن الله، بل وقوف بين يديه. ومن لم يميّز هذا بقي عند بوابة بيت لم يدخله. العلم وسيلة، لا غاية. والإحسان لا يُقرأ، يُذاق.

6

السلم الثلاثي بين تيارات تصنيف الناس

التيار 1
تيار التسوية الشعبوية
«كل المسلمين سواء» — كل من شهد الشهادتين فهو مؤمن مكتمل. التصنيف عنده استكبار. الخلل: يفتح الصف لمن لا يطيقه فيتعطل العمل.
التيار 2
تيار التكفير الانتقائي
يكفّر من لم يبلغ مرتبة معينة. يستخدم التصنيف للإقصاء. الخلل: يحوّل سلم الترقي إلى سور إقصاء، فيخسر الجمهور.
التيار 3
تيار الصوفية النخبوية
يحتكر الإحسان لطائفة معينة، ويغلق الباب عليها. الخلل: يفصل الإحسان عن المنهاج الجماعي، فيصبح ولاية فردية بلا أمة.
التيار 4 — الإمام
التصنيف التربوي المنفتح
سلم مفتوح للجميع: كل في موقعه يسعى للترقي. التصنيف لتدبير التربية لا للإقصاء. الإحسان ليس احتكارًا بل أفقًا.
⚑ التوازن الذي يحفظه الإمام

الإمام يجمع بين الواقعية في التصنيف (لا نسوّي بين البدائي والمكتمل) والإنصاف في الترقي (الباب مفتوح للجميع). لا يكفّر من لم يبلغ، ولا يساوي بين المتفاوتين. التصنيف عنده أداة محبة لا أداة قطيعة. ومن لم يفهم هذا التوازن سقط إما في تسوية ميسّعة تُفقد الصف هيبته، أو في تكفير يفقده جماهيره.

⁕ الفكرة المركزية للمحور الثاني ⁕

الدين لا يتبعّض: «إسلام وإيمان وإحسان وترقّب للساعة... لا يتبعض». ومن أخذه ثلثًا أو نصفًا فقد تحريفًا. لكن في الوقت نفسه، الناس على هذا السلم في درجات. المهمة التربوية: قبول الناس حيث هم، وترقيتهم إلى حيث يجب. ومن قَفز عن مرحلة لمن دونها صنع متهورًا، ومن أبقى الناس في الإسلام العام دون دفع للترقي صنع جمهورًا بلا جند الله.

«على هذا يتوقف نجاح القومة الإسلامية، وهذا القيام بين يدي الله عز وجل هو لب القومة ومغزاها وروحها».
٣
⁕ المحور الثالث ⁕ البنية المنهاجية ⁕

شعب الإيمان

الإمام يصل إلى أبرز إنجاز منهاجي للكتاب: إعادة ترتيب «شعب الإيمان» السبع والسبعين النبوية في عشر خصال متدرجة هي عمود المنهاج. هذا الترتيب ليس بدعة، بل سياسة شرعية تربوية، هدفها أن ينتقل المؤمن خصلةً بعد خصلة من الجماعة إلى الجهاد.

1

أول خطوة: التمييز بين «الجمع المتمَسَّكي» و«الترتيب المنهاجي»

مؤلفون كبار سبقوا الإمام في الكتابة عن شعب الإيمان (الحليمي، البيهقي وغيرهما). الإمام يصرّح بالفرق بين منهجه ومنهجهم:

الجمع المتمَسَّكي للأقدمين

جمع الأحاديث في موسوعة. الحليمي وغيره ألّفوا «ككل متمَسَّك يصور حياة الإيمان في قلب المؤمن وقالبه وفي المجتمع». غاية: حفظ التراث وعرضه. محتوى علمي عظيم، لكنه ليس مرتّبًا تربويًا.

الترتيب المنهاجي للإمام

ترتيب الشعب لتلائم مراحل التربية. «نرتب مراحل التربية والتنظيم والجهاد، ونحسب سبعًا وسبعين شعبة متدرجة». غاية: تحويل الشعب من قائمة إلى منهاج. الترتيب لمقاصد تربوية تنظيمية.

⚑ تنبيه دقيق

الإمام يحرص على نفي البدعة عن نفسه: «لا نأتي بجديد بدعي، لكن نرتب مراحل التربية والتنظيم والجهاد». الإضافة في الترتيب فقط، لا في المحتوى. «ما فيها حرف واحد خارج عن كتاب الله وسنة رسوله». والإمام يعتبر هذا الترتيب سياسة شرعية لا غبار عليها. السياسة الشرعية تعني: تدبير الأمور بما لا يصطدم بالشرع لتحقيق مقصد شرعي. وهنا المقصد تربوي.

2

السؤال الإشكالي: كيف نحوّل الإيمان من تصور إلى منهاج عملي؟

الإيمان «بضع وسبعون شعبة» بنص الحديث.
فهل نتركها متفرقة في الكتب؟
أم نحوّلها إلى سلسلة تربوية متتابعة يسير عليها كل مؤمن؟
المؤمن المعاصر يجهل إسلامه، فلا يكفي أن نقول له «اعمل بشعب الإيمان».
يحتاج إلى طريق مرسوم، خصلة بعد خصلة، حتى يبلغ الجهاد منتظمًا.
فمن يصنع له هذا الطريق؟
⚑ المسؤولية المنهاجية

الإمام يصرّح بمسؤوليته: «لنا اهتمامات لعصرنا وما بعده، ونواجه جهل الناس بإسلامهم فنؤلف تأليفًا غير تأليفهم». لاحظ التواضع والوعي معًا: لا يدّعي تجاوز الأقدمين علمًا، لكنه يدّعي اختلاف المهمة. الأقدمون كانوا أمام مجتمع متشبع بالإسلام يحتاج عمقًا. نحن أمام مجتمع يجهل إسلامه يحتاج طريقًا مرسومًا.

3

ثلاثة نماذج للسلوك في حديث الشعب

الإمام يلتقط من الحديث الواحد ثلاث طبقات للسلوك الإيماني: الأعلى والأدنى ومنتصف. كل طبقة تخاطب جانبًا من الإنسان:

النموذج 1 — أعلى

السلوك الرباني النوراني

المضمون: «أعلاها قول لا إله إلا الله». الذكر — لا اللسان فقط، بل اللسان منطلَقًا للقلب. هي البوابة الأعلى للإيمان كله.
البعد الذي يخاطبه

البُعد الباطن: العلاقة المباشرة بالله. لا يحضرها سواه ولا تنفع فيها وساطة.

«ونورانيتها» — التوحيد ليس فكرة بل نور.
النموذج 2 — متوسط

التهذيب الوجداني

المضمون: «الحياء شعبة من الإيمان». الخلق الذي يلجم النفس ويصونها. الحياء «والخير الذي يأتي به» — كل فضيلة من ثمراته.
البعد الذي يخاطبه

البُعد النفسي: ضبط الانفعال، صيانة الكرامة، حفظ الجوارح من العيب.

الحياء يفتح باب كل خير، وعدمه يفتح باب كل شر.
النموذج 3 — أبسط

المشاركة الفعلية

المضمون: «أدناها إماطة الأذى عن الطريق». فعل بسيط، لكنه إيمان حركي يُقاس بـأثره العام لا حجم العمل.
البعد الذي يخاطبه

البُعد الاجتماعي: المؤمن لا يعزل نفسه عن الناس، بل يُشاركهم بأبسط ما يستطيع.

الإيمان لا يبدأ من العظائم، بل من رفع شوكة عن الطريق.
⚑ الدلالة المنهاجية

الحديث الواحد يجمع الجوهر والقشرة معًا ليرسلنا رسالة محورية: الإيمان نظام متكامل من الأعلى إلى الأدنى. لا يصح التركيز على الأعلى (لا إله إلا الله) دون الأدنى (إماطة الأذى)، ولا العكس. ولهذا قال الإمام: «هذه الثلاثة نماذج للسلوك الرباني... وللتهذيب الوجداني... وللمشاركة الفعلية». من اقتصر على واحد منها فقد ثلثي الإيمان.

4

التسلسل المنطقي: من شعب الإيمان إلى الخصال العشر

1
المنطلق النصي: «الإيمان بضع وسبعون شعبة». هذا تقرير نبوي قطعي. الإيمان ليس وحدة بسيطة بل مركّب من شعب — كلمة «شعب» في اللغة العربية تعني روافد تنبثق من أصل واحد.
2
المعنى اللغوي: «روافد يتألف منها نهر الإيمان». هذا تشبيه دقيق: الشعب ليست متجاورة بل تصب جميعًا في نهر واحد. التحقق بشعبة تعزز التحقق بأخرى. الجزء يقوي الكل.
3
التشبيه الأعمق: «إن تصورناها خيوطًا إيمانية تربط العبد بربه فهي تكون، إن فُتلت وأُتقن تأليف رجالها... حبل الله المتين». الشعب خيوط، والصف يفتلها فتصبح حبلًا. الإيمان الفردي خيط، الإيمان الجماعي حبل.
4
الاحتياج التربوي: العامة لا يستطيعون أن يطبّقوا 77 شعبة دفعةً واحدة. يحتاجون ترتيبًا متدرجًا: ما الذي نبدأ به؟ ما الذي يتفرع منه؟ كيف نقيس التقدم؟
5
الحل المنهاجي: «قسّمنا السبع والسبعين شعبة عشر فئات سميناها الخصال العشر». ليست بدعة في النص، بل تنظيم في الترتيب. خصلة واحدة تجمع شعبًا متآلفة.
6
المسار التربوي: «يبدأ من الصحبة والجماعة (الخصلة الأولى) ويترقى... حتى يحصل الخصلة العاشرة وهي الجهاد». الجماعة منطلق، الجهاد منتهى. كل خصلة بينهما درجة في السلم.
5

أمثلة تطبيقية على فقه «شعب الإيمان»

⚑ مثال 1: المربي الذي يكتفي بشعبة واحدة

مربٍّ متخصص في «الذكر». يجمع تلامذته على ساعات طويلة من الذكر يوميًا. يربيهم على لا إله إلا الله، على الفاتحة، على الأذكار. لكنه لا يربيهم على الجماعة، لا على الجهاد، لا على إماطة الأذى عن الطريق. يخرج تلامذته زاهدين متعبّدين، لكن منفصلين عن الأمة وقضاياها.

ما تقييم الإمام؟

هذا مربٍّ اقتصر على أعلى الشعب وترك الباقي. والإمام يصرّح بأن الإيمان شعب متنوعة لا متراكبة: الذكر شعبة، الحياء شعبة، إماطة الأذى شعبة، الجهاد شعبة. الاكتفاء بواحدة يصنع مؤمنًا منقوصًا لا كاملًا. ولهذا أصرّ الإمام على «الترتيب لمقاصد تربوية تنظيمية»: لئلا يتخصص أحد في خصلة فيظنها الكل. الكمال لا يتجزأ، والمنهاج يحفظ التكامل.

⚑ مثال 2: الجماعة التي تقفز إلى الجهاد قبل الجماعة

مجموعة من الشباب تشبّعت حماسًا، اقتنعت أن الجهاد هو الأولوية. شكّلوا خلية سرية، اختاروا أهدافًا، استعدوا للقتال. لكنهم لم يكونوا قد بنوا «صحبة وجماعة» — ليس بينهم تربية مشتركة، ولا قيادة مرتّبة، ولا تنظيم ينضبط لخط فكري.

ما النتيجة المتوقعة؟

الإمام واضح: «تتدرج الخصال العشر... فحصول الإنسان في مرحمة الجماعة... يحصل الخصلة الأولى، ثم يترقى... حتى يحصل الخصلة العاشرة وهي الجهاد». الخصلة الأولى (الجماعة) شرط للأخيرة (الجهاد). من قفز عن الأولى وصل إلى مظهر الأخيرة بدون جوهرها. جهاد بدون جماعة = حركة فردية يُجهز عليها سريعًا. التدرج ليس بطئًا بل ضمانة بقاء.

⚑ مثال 3: المؤمن الذي يحب «لا إله إلا الله» لكنه شحيح في عمل الخير

مؤمن أُشرب قلبه التوحيد. ساعات في الذكر، حضور قلبي عند الصلاة، شوق ظاهر للقاء الله. لكنه شحيح في إنفاقه، قاسٍ على أهله، لا يُعين جاره، لا يُسهم في عمل المسجد. يقول: «الذكر جوهر الدين، والباقي ثوانٍ».

ما الانحراف الذي وقع فيه؟

هو يخالف نص الحديث: «وأدناها إماطة الأذى عن الطريق». أي أن النبي ﷺ نفسه أدخل العمل الاجتماعي البسيط في تعريف الإيمان. من نفى الأدنى نفى الأعلى؛ لأن من ادّعى علاقة بالله ولم تظهر آثارها على الناس فعلاقته زائفة. ولهذا أصرّ الإمام أن الإيمان «روافد تتألف منها نهر»: من قطع رافدًا لم يسلم النهر. الحياء، إماطة الأذى، النفقة، الإحسان للجار — كلها دلائل تحقق التوحيد، لا أعمالًا فرعية يمكن تركها.

6

الترتيب المنهاجي للإمام بين مدارس التربية الإسلامية

المدرسة 1
المدرسة الأكاديمية الموسوعية
تجمع شعب الإيمان للحفظ والمراجعة (الحليمي، البيهقي). فضلها عظيم. تنقصها: الترتيب التربوي للممارسة المعاصرة.
المدرسة 2
المدرسة الوعظية الفردية
تأخذ شعبة وتلحّ عليها في خطبة منبر أو درس. أداتها التذكير المستمر. تنقصها: الرؤية المنهاجية المتدرجة.
المدرسة 3
المدرسة المرحلية الحركية
تحدد مراحل عامة للمنخرطين (تعارف، تعريف، تنظيم...). أقرب لمنطق المنهاج. تنقصها: الربط الدقيق بشعب الإيمان النبوية.
المدرسة 4 — الإمام
الترتيب الشعَبي المتدرج
يجمع: أصالة الموسوعية + إلحاح الوعظية + تدرج المرحلية. يرتب 77 شعبة في 10 خصال متتابعة من الجماعة إلى الجهاد.
⚑ الإسهام الأصيل للإمام

الإمام لم يخترع شيئًا من النص — كل حرف من كتاب وسنة. لكن إسهامه في الترتيب أصيل ومنهاجي. كأنه يقول: «جمع الأقدمون اللآلئ، وأنا أنظمها عقدًا للمسير». ولهذا قال: «قسّمنا السبع والسبعين شعبة عشر فئات سميناها الخصال العشر، وجمعناها في كتاب يضم أكثر من ألفي حديث نبوي يسّر الله تحقيقه وطبعه». الإسهام في الهندسة لا في المادة.

⁕ الفكرة المركزية للمحور الثالث ⁕

شعب الإيمان روافد لا قائمة. يجمعها نهر واحد، تجمعها أفئدة جماعة. ومن جمعها فردًا فقد خيوطًا. ومن جمعها صفًّا فتلها حبلًا. الإسهام المنهاجي للإمام: تحويل الشعب من موسوعة إلى منهاج، من قراءة إلى مسير، من علم إلى عمل متدرج. الخصال العشر — من الصحبة إلى الجهاد — هي عمود الكتاب الذي سيأتي في الفصل الخامس.

«شعب الإيمان روافد يتألف منها نهر الإيمان — فإن فُتلت وأُتقن تأليف رجالها، أصبحت حبل الله المتين الممتد من السماء رحمةً إلى الأرض».

⁕ خلاصة الفصل الثاني الجامعة ⁕

الفصل الثاني عمود الكتاب التربوي. كل ما بعده فروع من جذع زرعه هذا الفصل: إيمان يُجدَّد، يتدرج في سلم، ويتفصل في شعب مرتبة.

المحور الأول — التجديد

الإيمان يبلى كما يبلى الثوب، فيُجدَّد بالإكثار من قول «لا إله إلا الله» باللسان أولًا. التجديد إحياء البواعث لا تغيير الثوابت. والمجدد قد يكون شخصًا أو جماعة.

المحور الثاني — السلم الثلاثي

إسلام (أركان جوارح) → إيمان (تصديق قلب) → إحسان (مراقبة دائمة). جند الله لا بد أن يكونوا مؤمنين، وعليهم السعي للإحسان. الدين لا يتبعض.

المحور الثالث — شعب الإيمان

77 شعبة نبوية رتّبها الإمام في 10 خصال متدرجة من الصحبة (الأولى) إلى الجهاد (العاشرة). الترتيب سياسة شرعية تربوية لا بدعة.

الترابط بين المحاور دقيق: التجديد يضمن أن الإيمان حيٌّ. السلم الثلاثي يحدد مكان كل واحد من الإيمان. شعب الإيمان ترسم طريق الترقي. ثلاثة أبعاد متلازمة: الزمن (تجديد)، العمق (سلم)، البنية (شعب). من فهم هذا الفصل امتلك المرجعية التربوية لكل ما يأتي بعد.

⁕ الفكرة المركزية الكبرى للفصل الثاني ⁕

الفصل الثاني يقول: المؤمن كائن متحرك. متحرك في الزمن (إيمانه يبلى فيُجدَّد)، ومتحرك في العمق (يصعد سلمًا من إسلام لإحسان)، ومتحرك في البنية (يحقق شعبة بعد شعبة حتى يبلغ الجهاد). من توقف في أي بُعد من هذه الأبعاد هبط — ولا يبقى في موضعه. والمنهاج النبوي يصون هذه الحركة الثلاثية بدواء يومي (الذكر)، وسلم تربوي (إسلام-إيمان-إحسان)، ومسير منظَّم (الخصال العشر).

«الإيمان يخلق في القلب كما يخلق الثوب — فجدّدوا إيمانكم. واسألوا الله تعالى أن يجدد الإيمان في قلوبكم».

التجديد

كثر من بين حكام الجبر المرشحون لاسم مجدد القرن. وبعضهم ممن لا يمت إلى الإيمان بصلة ألّف في الموضوع. الذهنية الرعوية الانتظارية التي تعتمد على الغير أن يدبر لها أمرها سائدة، فهم يرسخون الانتظار والقعود بالتزوير ورفع الشعارات.

علماؤنا السابقون بإيمان تناقشوا طويلًا لمعرفة مجددي القرون السالفة. ونحن يهمنا أن نعرف معنى التجديد، ومن يجدد، وبم يجدد، وكيف يجدد، لا حبًّا في الاطلاع، لكن تحريًا أن يكون جهادنا مستمدًا من الهدي النبوي، منضبطًا بالسنة النبوية، سائرًا على منهاج النبوة.

ثلاثة أحاديث ورد فيها ذكر التجديد:

1- روى الإمام أحمد وحسنه السيوطي أن رسول الله ﷺ قال: «إن الإيمان يخلق (أي يبلى) في القلب كما يخلق الثوب، فجدّدوا إيمانكم». وفي رواية: «إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب، فاسألوا الله تعالى أن يجدد الإيمان في قلوبكم». ورواه الطبراني والحاكم.
2- روى أبو داود والبيهقي والحاكم بسند صحيح عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها».
3- روى الإمام أحمد والطبراني، ورجال أحمد ثقات، والحديث صححه السيوطي، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «جدّدوا إيمانكم»، قيل: «يا رسول الله وكيف نجدد إيماننا؟» قال: «أكثروا من قول لا إله إلا الله».

تحصَّل لنا من هذه الأحاديث أن الإيمان يبلى فيجب تجديده، يضعف فتتعين تقويته، وأن الأمة تكلؤها عناية الله فيبعث سبحانه لها من يجدد دينها، وأن الإيمان يعالج من بلاه وضعفه بطب موصوف لا لبس في كنهه وماهيته ووسيلته.

جاء في الأثر أن الإيمان قول باللسان وتصديق بالجنان (وهو القلب) وعمل بالأركان. لكن موطن الإيمان القلب، بل هو منطلق الإيمان. فإن خبت بواعث الإيمان في القلب بطل العمل ونطق اللسان نفاقًا. ومتى قوي الإيمان في القلب بتجديده اشتدت بواعث العمل الصالح.

ليس التجديد تغييرًا للثابت من شرع الله، فإن أحكام الكتاب والسنة ماضية إلى يوم القيامة. دعاة العصرنة يودون لو نقصنا من الإسلام هذه الصلاة المستغرقة للوقت، وهذا الصيام المرهق للعمال، وصيرناه إيديولوجية بلباس عصري. لا نرتاب أن الاجتهاد ضروري لتكييف حياة العصر مع شرع الله، فهو تسليم العصر لا عصرنة الإسلام.

يبعث الله من يجدد للأمة دينها. اختلف علماؤنا منذ قديم في تعيين مجدد كل قرن، واتفقوا أو كادوا أن مجدد القرن الأول عمر بن عبد العزيز. ونحن ننظر إلى القرن الرابع عشر فنرى رجالًا يبرز من بينهم الشيخ البنا بنورانية خاصة، وأثر في تربية هذه الأجيال الصالحة، فلا نبعد أن يكون هو رحمه الله مجدد القرن الماضي.

ورأينا أن «مَن» المذكورة في الحديث قد تعني شخصًا بعينه كما تعني جماعة يتعاونون على إحقاق الحق بعد إبطال الباطل.

بقيت الوصفة الطبية: كلمة لا إله إلا الله، قولها، الإكثار من قولها باللسان. باللسان أولًا. ألا إن رسول الله ﷺ أوتي جوامع الكلم. الإكثار من قول لا إله إلا الله. فجند الله زادهم لا إله إلا الله، كلمة مجددة على اللسان، يكثرون منها. ونرى أن المئات من المرات لا تكفي، يلزم حزب من لا إله إلا الله آلاف المرات بالعشي والإبكار وما بينهما، بالغدو والآصال، آناء الليل وأطراف النهار.

قال الله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]
قال رسول الله ﷺ: «أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله» — رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم عن جابر بسند صحيح.

الإسلام والإيمان والإحسان

لكلمة إسلام معنى عام يشمل في مدرجته كل معاني العبودية لله، وله معنى خاص عندما يطلق على درجة من درجات العبودية. لا بد لنا من تصنيف الناس في مجتمعاتنا الإسلامية لنعرف أين كل واحد من هذا السلم المرتقي من إسلام لإيمان لإحسان.

ثم لا بد عند التربية أن ننتظر ثمرة التربية، وهي ارتقاء أصحابنا من إسلام لا يتميز عن عامة الناس، إلى إيمان يتكامل فيؤهلهم للدخول في الصف، ثم يتكامل فيؤهلهم للجهاد في الصف، ثم ترقٍّ ثالث يرفع ذوي الاستعداد من رجال الصف إلى مرتبة الإحسان.

قال عمر: «بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي ﷺ فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام! فقال ﷺ: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا. قال: صدقت! فعجبنا له يسأله ويصدقه! قال: فأخبرني عن الإيمان! قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال: صدقت! قال: فأخبرني عن الإحسان! قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك...».

الدين إسلام وإيمان وإحسان وترقب للساعة، والدين الذي يجدده الله للأمة بمن يصطفيه من خلقه هو كل هذا، لا يتبعض.

جند الله لا بد أن يكونوا كلهم من المؤمنين، لا يكفي أن يكونوا مسلمين بهذا المعنى الخاص. لكن سعي كل واحد منهم لاستكمال إيمانه فالترقي إلى مرتبة الإحسان أمر أساسي، بدونه ترتخي الصلة بالله وتفتر، فلا مفر لها إن فتر شوق العبد إلى ربه وحب لقائه إلا دركات النفاق.

القابليات للكمال الإحساني متفاوتة عند العباد، فمنهم من لا استعداد له لتجاوز الإحسان الذي كتبه الله على كل شيء، يتقن أعماله العبادية والجهادية والمهنية حتى يكون نموذجًا. ومن العباد من يكون إحسانه مع إحسان الإتقان موقفًا دائمًا أمام الله، ذكرًا لجلاله وحضورًا معه ومع أمره وشريعته، وشوقًا إلى النظر إلى وجهه، وحبًّا للقائه والموت في سبيله.

الوقوف على الباب، والتذلل بين يدي رب الأرباب من كسب العبد. فيجب وجوبًا أكيدًا أن يربى جند الله على لزوم باب العبودية، امتثالًا حريصًا دقيقًا لأمر الله، ومناجاة له، وحضورًا قلبيًا عند ذكر اللسان وخارجه، حتى يصبح العبد المؤمن ذاكرًا ربه، قائمًا بين يديه لا يفتر. على هذا يتوقف نجاح القومة الإسلامية، وهذا القيام بين يدي الله هو لب القومة ومغزاها وروحها.

نقرأ عند بعض علمائنا ذكرًا للكمال والوراثة، ويخيل لبعضنا أن كمال الوراثة ينحصر في التحصيل العلمي. كلا والله! إنما الكمال الاختصاصي وراثة لمقامات الإحسان. التحصيل العلمي الضروري والتربية يهيئان للدخول على باب دخل منه إلى حضرة القرب من أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

شعب الإيمان

روى الشيخان وأصحاب السنن عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «الإيمان بضع وسبعون شعبة - عند البخاري بضع وستون - أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان».

نجد أن لا إله إلا الله، إكثارًا من قولها أولًا، هي أعلى شعب الإيمان لا ننس هذا، فبنسيانه نظهر استهانتنا بصدق وبيان المعلم الرباني ﷺ.

سواد جند الله لا بد أن يكونوا مؤمنين، لا يكفي أن يكونوا مسلمين بالمعنى الخاص، مع التوجه الواجب لمراتب الإحسان.

الحديث النبوي عن شعب الإيمان يعطي وسيلة التربية القلبية لا إله إلا الله، ويصف ثمرة الإيمان في خلق الحياء، ويتنزل إلى تلمس دلائل الإيمان في أسهل الأعمال وأبسطها كإماطة الأذى عن الطريق. هذه الثلاثة نماذج للسلوك الرباني النوراني: لا إله إلا الله ونورانيتها — وللتهذيب الوجداني: الحياء والخير الذي يأتي به — وللمشاركة الفعلية في الحياة العامة الجماعية: إماطة الأذى عن طريق المسلمين.

وقد ألف في شعب الإيمان الإمام الحافظ أبو عبد الله الحليمي، والإمام الحافظ عبد الله البيهقي وغيرهما كثير. ولنا اهتمامات لعصرنا وما بعده، ونواجه جهل الناس بإسلامهم فنؤلف تأليفًا غير تأليفهم. لا نأتي بجديد بدعي، لكن نرتب مراحل التربية والتنظيم والجهاد، ونحسب سبعًا وسبعين شعبة متدرجة ما فيها حرف واحد خارج عن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ. أتينا بالترتيب فقط لمقاصد تربوية تنظيمية، فهي سياسة شرعية لا غبار عليها.

وقسمنا السبع والسبعين شعبة عشر فئات سميناها الخصال العشر، وجمعناها في كتاب يضم أكثر من ألفي حديث نبوي يسر الله تحقيقه وطبعه.

تتدرج الخصال العشر من الخطاب القرآني للإنسان وندبه إياه لاقتحام العقبة والكينونة من الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة. فحصول الإنسان في مرحمة الجماعة، باكتشافه أخوتها الدافئة الرفيقة الباذلة الحنون، يحصل الخصلة الأولى: الصحبة والجماعة، ثم يترقى من خصلة إلى خصلة حتى يحصل الخصلة العاشرة وهي: الجهاد. وبذلك تكون تربيته تمت، وعضويته في تنظيم جند الله استوثقت.

إن شعب الإيمان، كما يدل على ذلك المعنى اللغوي لشعب، روافد يتألف منها نهر الإيمان. فإن تصورناها خيوطًا إيمانية تربط العبد بربه فهي تكون، إن فُتلت وأُتقن تأليف رجالها حتى أصبح خلقهم القرآن، حبل الله المتين الممتد من السماء رحمة إلى الأرض، حيث تظهر عملًا حكيمًا وجهادًا مجددًا. وعندئذ فالتمسك بجماعة المسلمين في الأرض استمساك بالعروة الوثقى.

السابق→ الفصل الأول: اقتحام العقبة العودة⌂ الصفحة الرئيسية