إذا كان الفصل الأول رسم الطريق (العقبة، المهمات، الأركان)، فإن الفصل الثاني يضع الأساس النفسي والعقدي الذي يُبنى عليه كل شيء. ينطلق من حقيقة محورية: الإيمان يبلى كما يبلى الثوب فيُجدَّد. ثم يحدد سلم الترقي (إسلام → إيمان → إحسان)، ويختم ببنية «الخصال العشر» التي ستكون عمود الكتاب.
لماذا نحتاج تجديدًا أصلًا؟ لأن الإيمان ليس حالة ساكنة، بل حياة متدفقة قابلة للبلى. الإمام يكشف عن هذا القانون النفسي العقدي ثم يستخلص منه منهجًا تربويًا متكاملًا، يميّزه بحدّة عن «العصرنة» التي تطلب تغيير الثابت.
كلمتان متشابهتان ظاهرًا، متناقضتان حقيقة. كل منهما يدعي خدمة الإسلام، لكن إحداهما تحفظ جوهره والأخرى تذيبه:
تجديد الإيمان في القلوب بعد بلاه — لا تغيير في شرع الله. الأحكام ثابتة، والبواعث هي التي تُحيا. التجديد يعمل على قوة الدافع لا على محتوى الأمر. فالصلاة كما هي، لكن قلب المصلي ينبعث بالشوق فيؤديها بحياة لا غفلة.
تطويع الإسلام لمقاسات العصر. «دعاة العصرنة يودّون لو نقصنا من الإسلام هذه الصلاة المستغرقة للوقت، وهذا الصيام المرهق للعمال، وصيّرناه إيديولوجية بلباس عصري». تغيير المحتوى لا تجديد الباعث. هي محو الإسلام باسم تطويره.
الفرق ليس درجة، بل اتجاه: «الاجتهاد ضروري لتكييف حياة العصر مع شرع الله، فهو تسليم العصر لا عصرنة الإسلام». لاحظ التعبير: تسليم العصر لا تطويع الإسلام. الاجتهاد ينقل العصر إلى الشرع، والعصرنة تنقل الشرع إلى العصر. كلاهما حركة، لكن الاتجاه معكوس. ومن لم يفطن لهذا الفرق ادعى التجديد وهو يهدم.
الإمام يصرّح بأنه لا يبحث في التجديد للاطلاع، بل لمقصد عملي حركي:
يعود الإمام إلى المرجع الأصلي: الأحاديث النبوية الصحيحة التي جاء فيها لفظ التجديد. ثلاثة أحاديث محورية. منها يستخرج الإجابة كاملة: ماذا يبلى (الإيمان في القلب)، من يجدد (مَن يبعثه الله)، بم يجدد (الدين)، كيف يجدد (الإكثار من قول لا إله إلا الله). الجواب من النص لا من الرأي.
الأحاديث ليست منفصلة، بل تشكل منظومة متكاملة: حديث يكشف المشكلة، حديث يبشر بالحل، وحديث يصف الدواء:
أربع حقائق منهجية:
(1) الإيمان يبلى فيجب تجديده. (2) ويضعف فتتعين تقويته. (3) الأمة تكلؤها عناية الله فيبعث لها من يجدد دينها. (4) الإيمان يعالج بـطب موصوف لا لبس فيه: الإكثار من قول لا إله إلا الله.
والإمام يلتقط ملاحظة دقيقة: «مَن» في الحديث قد تعني شخصًا أو جماعة. «قد تعني شخصًا بعينه كما تعني جماعة يتعاونون على إحقاق الحق بعد إبطال الباطل». بهذا يتحول التجديد من انتظار شخص إلى مهمة جماعية يتشرف بها كل صف.
مسلم منتظم في صلواته، يحضر الجمعة، يصوم رمضان. لكنك تلاحظ أن وجهه لا يتغير حين تذكر الله، وكلامه عن الدنيا أكثر من كلامه عن الآخرة، وتعليقاته على معاصي العصر باهتة. الأركان قائمة، والقلب بارد.
هذا إيمان بالٍ بحرفية النص النبوي: «يخلق في الجوف كما يخلق الثوب». لا يحتاج هذا المسلم إلى دروس فقهية جديدة (الأحكام يعرفها)، ولا إلى مزيد من التذكير العقدي (يصدق بكل أركان الإيمان). يحتاج إلى تجديد الباعث: إكثار من ذكر، صحبة صالحة، مواقف يلامس فيها معنى التوحيد. المشكلة ليست في علم بل في حرارة.
داعية عرف الالتزام مبكرًا. سنواته الأولى كانت ملتهبة: قلب متشوّق، جوارح مبادرة، ساعات في الذكر، لقاءات في الدعوة. بعد عشرين سنة، أصبح «شيخًا محترمًا»: يخطب، يفتي، يعقد المجالس. لكنه يشعر — في خلوته — أن روحه ليست كما كانت. الأعمال أكثر، والحرارة أقل.
الإمام يكشف الخدعة: هذا ليس نضجًا، بل بلى. النبي ﷺ لم يقل «الإيمان يستقر» بل قال «يبلى». الذي يهدّئ من حرارة الداعية ليس النضج، بل البلى الذي يخدعنا بأنه «وقار». ولهذا قال الإمام: «الإكثار منها ركن أساسي في التربية». حتى الداعية الكبير يحتاج تجديدًا يوميًا، لا مرة واحدة في حياته. التجديد ليس مرحلة شباب، بل قانونًا دائمًا.
جماعة إسلامية عريقة. أُسست في الستينات، رجالها الأوائل كانوا أحياءً بالإيمان، نُصِبوا في كل مكان. بعد أربعين سنة، الجماعة قائمة، مؤسساتها ضخمة، أعضاؤها عشرات الآلاف. لكن من يراقب يلاحظ أن الجيل الثاني والثالث ليسوا كالجيل الأول. التنظيم بقي، الروح ترقّقت.
الإمام يربط هذا بقانون البلى الجماعي: «تجديد بواعثها لتقوم، أفرادًا تجدد إيمانهم بالتربية، وجماعةً تجددت قوتها بتجدد بواعث أعضائها الإيمانية». الجماعات تبلى كما يبلى الأفراد، لكن بآلية مختلفة: التنظيم يبقى لأن الهيكل مادي، والروح تذبل لأنها معنوية. والتنظيم بدون روح يصبح بيروقراطية إسلامية. التجديد الجماعي ليس ترفًا، بل شرط بقاء.
الإمام لا يلغي صدق المدارس الثلاث الأولى، بل يضع كل منها في موقعها الصحيح: العصرنية صادقة في حاجة الاجتهاد لكنها قلبت اتجاهه. السلفية صادقة في تعظيم النص لكنها أهملت روحه. الصوفية صادقة في الذكر لكنها انفصلت عن الجماعة. التجديد المنهاجي يحفظ صدق الكل في إطار واحد: ذكر صوفي + نص سلفي + اجتهاد إصلاحي + تنظيم جماعي.
التجديد ليس تطويرًا للنص، بل إحياءً للباعث. الإيمان يبلى كما يبلى الثوب، فيُعالج بدواء نبوي محدد: الإكثار من قول لا إله إلا الله باللسان أولًا. ومن ظن أنه فوق هذا الدواء بحجة العلم أو التقدم في السن، فقد أنكر تشخيص النبي ﷺ نفسه. التجديد قانون يومي لا حدث استثنائي.
بعد أن قرر أن الإيمان يبلى ويُجدَّد، يفتح الإمام البعد العمودي: المؤمن لا يبقى في مكانه. هناك سلم متدرج ثلاثي الدرجات بنصّ حديث جبريل، ولكلٍ منا موقع عليه ومسؤولية في الترقي. هذا السلم هو الذي يحدد من هو جند الله ومن دونهم.
كلمة «إسلام» تستعمل في القرآن والسنة بمعنيين متمايزين، وخلطهما يُفسد فهم السلم كله:
كل معاني العبودية لله تعالى مدرجةً في كلمة واحدة. يشمل الإسلام الخاص، والإيمان، والإحسان. هذا هو الدين كله الذي قال الله عنه: «إن الدين عند الله الإسلام». سقف لا أرضية.
درجة من درجات العبودية: الشهادة، الصلاة، الزكاة، الصيام، الحج. أركان جوارح. هي أرضية لا سقف. كل مَن في هذه الدرجة فقط يُسمى مسلمًا، لكنه ليس بعد مؤمنًا في الاصطلاح القرآني الدقيق.
لأن من لم يميّز بينهما اكتفى بالمعنى الخاص (أداء الأركان) وظنّ نفسه مكتمل الدين. والإمام يصرّح: «جند الله لا بد أن يكونوا كلهم من المؤمنين، لا يكفي أن يكونوا مسلمين بهذا المعنى الخاص». الإسلام الخاص شرط دخول، الإيمان شرط مهمة. من أداء الشهادتين والصلاة لا يصلح وحده لحمل أعباء جند الله.
الإمام صريح في الجواب: «لا بد لنا من تصنيف الناس في مجتمعاتنا الإسلامية لنعرف أين كل واحد من هذا السلم المرتقي من إسلام لإيمان لإحسان». التصنيف ليس استكبارًا، بل وعيٌ تربوي ضروري. لا يعالج الطبيب الحاد كالخفيف، ولا يكلّف المربي المسلم البدائي بمهمات الإحسان. كل بحسب موقعه على السلم، وكل بحسب استعداده للترقي.
الإمام يستحضر «حديث جبريل المشهور» الذي رواه الشيخان وأصحاب السنن عن عمر. ويلاحظ أن جبريل عليه السلام نزل في صورة رجل ليُعلمنا الدين لأهمية هذا التفصيل بالذات. ثلاث درجات يشكلن سلمًا صاعدًا:
«أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا».
«أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره».
«أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك».
القابليات للكمال الإحساني متفاوتة: «فمنهم من لا استعداد له لتجاوز الإحسان الذي كتبه الله على كل شيء... يتقن أعماله العبادية والجهادية والمهنية حتى يكون نموذجًا. وهذا إحسان ينتظر من كل المؤمنين». ومنهم من يبلغ الإحسان الأعلى: «موقفًا دائمًا أمام الله عز وجل، ذكرًا لجلاله وحضورًا معه ومع أمره وشريعته، وشوقًا إلى النظر إلى وجهه». إحسان الإتقان واجب، إحسان المراقبة اصطفاء.
شاب أدرك تفاهة حياته السابقة. اقترب من الإخوة، يصلي بانتظام، حضر بعض الدروس. أراد الالتزام والمشاركة في كل برامج الصف فورًا. هل هو مؤهل؟
الإمام واضح: هذا في درجة الإسلام، لا الإيمان بعد. لا يستعجل به المربي إلى مهمات الجهاد، بل يكمّل تربيته أولًا حتى يصير «مؤمنًا يتكامل إيمانه». ثم يدخله في الصف. ثم يهيؤه للجهاد فيه. القفز من الإسلام إلى الجهاد بدون مرحلة الإيمان يصنع متهورًا لا مجاهدًا. ولهذا قال الإمام: «لا يتحمل كل الناس أن يسمعوا ولا أن يستجيبوا لنداء المسيرة الجهادية من أول لقاء وعاشر لقاء».
عضو قديم في الصف، قام بواجباته، أدى مهماته، ساهم في البرامج. لكنه توقف عن السعي للترقي. لا يكثر من الذكر، لا يجاهد نفسه على الإحسان، يكتفي بمستوى «المؤمن العامل». يقول لنفسه: «الإحسان للأولياء، وأنا مجرد مؤمن عادي».
الإمام يحذر بصرامة: «لا مفر له إن فتر شوق العبد إلى ربه إلا دركات النفاق». الإيمان لا يُحفظ بالاكتفاء، بل بـالسعي الدائم نحو الإحسان. ومن قال «أنا مؤمن وكفى» سيجد إيمانه يبلى. طلب الإحسان واجب على كل مؤمن، حتى لو لم يبلغه. السعي هو الواجب، البلوغ اصطفاء. وفي ذلك «إذا أحبك ألهمك الطلب» — الطلب نفسه علامة محبة الله.
عالم متبحر، قارئ نهم، حافظ، مفكر. أنتج عشرات الكتب، تتلمذ على يديه آلاف. لكن في خلوته، علاقته بالله علاقة فكرية: تأمل في صفات، استحضار للحجج، قراءة في كتب التزكية. قلبه لم يبلغ ما بلغه عقله.
«يخيل لبعضنا أن كمال الوراثة ينحصر في التحصيل العلمي. كلا والله!». الكمال ليس امتلاء العقل، بل اختصاص إلهي ينفتح به باب القرب. التحصيل العلمي «يهيّئ للدخول على باب» — لكنه ليس البوابة نفسها. الإحسان ليس فكرة عن الله، بل وقوف بين يديه. ومن لم يميّز هذا بقي عند بوابة بيت لم يدخله. العلم وسيلة، لا غاية. والإحسان لا يُقرأ، يُذاق.
الإمام يجمع بين الواقعية في التصنيف (لا نسوّي بين البدائي والمكتمل) والإنصاف في الترقي (الباب مفتوح للجميع). لا يكفّر من لم يبلغ، ولا يساوي بين المتفاوتين. التصنيف عنده أداة محبة لا أداة قطيعة. ومن لم يفهم هذا التوازن سقط إما في تسوية ميسّعة تُفقد الصف هيبته، أو في تكفير يفقده جماهيره.
الدين لا يتبعّض: «إسلام وإيمان وإحسان وترقّب للساعة... لا يتبعض». ومن أخذه ثلثًا أو نصفًا فقد تحريفًا. لكن في الوقت نفسه، الناس على هذا السلم في درجات. المهمة التربوية: قبول الناس حيث هم، وترقيتهم إلى حيث يجب. ومن قَفز عن مرحلة لمن دونها صنع متهورًا، ومن أبقى الناس في الإسلام العام دون دفع للترقي صنع جمهورًا بلا جند الله.
الإمام يصل إلى أبرز إنجاز منهاجي للكتاب: إعادة ترتيب «شعب الإيمان» السبع والسبعين النبوية في عشر خصال متدرجة هي عمود المنهاج. هذا الترتيب ليس بدعة، بل سياسة شرعية تربوية، هدفها أن ينتقل المؤمن خصلةً بعد خصلة من الجماعة إلى الجهاد.
مؤلفون كبار سبقوا الإمام في الكتابة عن شعب الإيمان (الحليمي، البيهقي وغيرهما). الإمام يصرّح بالفرق بين منهجه ومنهجهم:
جمع الأحاديث في موسوعة. الحليمي وغيره ألّفوا «ككل متمَسَّك يصور حياة الإيمان في قلب المؤمن وقالبه وفي المجتمع». غاية: حفظ التراث وعرضه. محتوى علمي عظيم، لكنه ليس مرتّبًا تربويًا.
ترتيب الشعب لتلائم مراحل التربية. «نرتب مراحل التربية والتنظيم والجهاد، ونحسب سبعًا وسبعين شعبة متدرجة». غاية: تحويل الشعب من قائمة إلى منهاج. الترتيب لمقاصد تربوية تنظيمية.
الإمام يحرص على نفي البدعة عن نفسه: «لا نأتي بجديد بدعي، لكن نرتب مراحل التربية والتنظيم والجهاد». الإضافة في الترتيب فقط، لا في المحتوى. «ما فيها حرف واحد خارج عن كتاب الله وسنة رسوله». والإمام يعتبر هذا الترتيب سياسة شرعية لا غبار عليها. السياسة الشرعية تعني: تدبير الأمور بما لا يصطدم بالشرع لتحقيق مقصد شرعي. وهنا المقصد تربوي.
الإمام يصرّح بمسؤوليته: «لنا اهتمامات لعصرنا وما بعده، ونواجه جهل الناس بإسلامهم فنؤلف تأليفًا غير تأليفهم». لاحظ التواضع والوعي معًا: لا يدّعي تجاوز الأقدمين علمًا، لكنه يدّعي اختلاف المهمة. الأقدمون كانوا أمام مجتمع متشبع بالإسلام يحتاج عمقًا. نحن أمام مجتمع يجهل إسلامه يحتاج طريقًا مرسومًا.
الإمام يلتقط من الحديث الواحد ثلاث طبقات للسلوك الإيماني: الأعلى والأدنى ومنتصف. كل طبقة تخاطب جانبًا من الإنسان:
البُعد الباطن: العلاقة المباشرة بالله. لا يحضرها سواه ولا تنفع فيها وساطة.
البُعد النفسي: ضبط الانفعال، صيانة الكرامة، حفظ الجوارح من العيب.
البُعد الاجتماعي: المؤمن لا يعزل نفسه عن الناس، بل يُشاركهم بأبسط ما يستطيع.
الحديث الواحد يجمع الجوهر والقشرة معًا ليرسلنا رسالة محورية: الإيمان نظام متكامل من الأعلى إلى الأدنى. لا يصح التركيز على الأعلى (لا إله إلا الله) دون الأدنى (إماطة الأذى)، ولا العكس. ولهذا قال الإمام: «هذه الثلاثة نماذج للسلوك الرباني... وللتهذيب الوجداني... وللمشاركة الفعلية». من اقتصر على واحد منها فقد ثلثي الإيمان.
مربٍّ متخصص في «الذكر». يجمع تلامذته على ساعات طويلة من الذكر يوميًا. يربيهم على لا إله إلا الله، على الفاتحة، على الأذكار. لكنه لا يربيهم على الجماعة، لا على الجهاد، لا على إماطة الأذى عن الطريق. يخرج تلامذته زاهدين متعبّدين، لكن منفصلين عن الأمة وقضاياها.
هذا مربٍّ اقتصر على أعلى الشعب وترك الباقي. والإمام يصرّح بأن الإيمان شعب متنوعة لا متراكبة: الذكر شعبة، الحياء شعبة، إماطة الأذى شعبة، الجهاد شعبة. الاكتفاء بواحدة يصنع مؤمنًا منقوصًا لا كاملًا. ولهذا أصرّ الإمام على «الترتيب لمقاصد تربوية تنظيمية»: لئلا يتخصص أحد في خصلة فيظنها الكل. الكمال لا يتجزأ، والمنهاج يحفظ التكامل.
مجموعة من الشباب تشبّعت حماسًا، اقتنعت أن الجهاد هو الأولوية. شكّلوا خلية سرية، اختاروا أهدافًا، استعدوا للقتال. لكنهم لم يكونوا قد بنوا «صحبة وجماعة» — ليس بينهم تربية مشتركة، ولا قيادة مرتّبة، ولا تنظيم ينضبط لخط فكري.
الإمام واضح: «تتدرج الخصال العشر... فحصول الإنسان في مرحمة الجماعة... يحصل الخصلة الأولى، ثم يترقى... حتى يحصل الخصلة العاشرة وهي الجهاد». الخصلة الأولى (الجماعة) شرط للأخيرة (الجهاد). من قفز عن الأولى وصل إلى مظهر الأخيرة بدون جوهرها. جهاد بدون جماعة = حركة فردية يُجهز عليها سريعًا. التدرج ليس بطئًا بل ضمانة بقاء.
مؤمن أُشرب قلبه التوحيد. ساعات في الذكر، حضور قلبي عند الصلاة، شوق ظاهر للقاء الله. لكنه شحيح في إنفاقه، قاسٍ على أهله، لا يُعين جاره، لا يُسهم في عمل المسجد. يقول: «الذكر جوهر الدين، والباقي ثوانٍ».
هو يخالف نص الحديث: «وأدناها إماطة الأذى عن الطريق». أي أن النبي ﷺ نفسه أدخل العمل الاجتماعي البسيط في تعريف الإيمان. من نفى الأدنى نفى الأعلى؛ لأن من ادّعى علاقة بالله ولم تظهر آثارها على الناس فعلاقته زائفة. ولهذا أصرّ الإمام أن الإيمان «روافد تتألف منها نهر»: من قطع رافدًا لم يسلم النهر. الحياء، إماطة الأذى، النفقة، الإحسان للجار — كلها دلائل تحقق التوحيد، لا أعمالًا فرعية يمكن تركها.
الإمام لم يخترع شيئًا من النص — كل حرف من كتاب وسنة. لكن إسهامه في الترتيب أصيل ومنهاجي. كأنه يقول: «جمع الأقدمون اللآلئ، وأنا أنظمها عقدًا للمسير». ولهذا قال: «قسّمنا السبع والسبعين شعبة عشر فئات سميناها الخصال العشر، وجمعناها في كتاب يضم أكثر من ألفي حديث نبوي يسّر الله تحقيقه وطبعه». الإسهام في الهندسة لا في المادة.
شعب الإيمان روافد لا قائمة. يجمعها نهر واحد، تجمعها أفئدة جماعة. ومن جمعها فردًا فقد خيوطًا. ومن جمعها صفًّا فتلها حبلًا. الإسهام المنهاجي للإمام: تحويل الشعب من موسوعة إلى منهاج، من قراءة إلى مسير، من علم إلى عمل متدرج. الخصال العشر — من الصحبة إلى الجهاد — هي عمود الكتاب الذي سيأتي في الفصل الخامس.
الفصل الثاني عمود الكتاب التربوي. كل ما بعده فروع من جذع زرعه هذا الفصل: إيمان يُجدَّد، يتدرج في سلم، ويتفصل في شعب مرتبة.
الإيمان يبلى كما يبلى الثوب، فيُجدَّد بالإكثار من قول «لا إله إلا الله» باللسان أولًا. التجديد إحياء البواعث لا تغيير الثوابت. والمجدد قد يكون شخصًا أو جماعة.
إسلام (أركان جوارح) → إيمان (تصديق قلب) → إحسان (مراقبة دائمة). جند الله لا بد أن يكونوا مؤمنين، وعليهم السعي للإحسان. الدين لا يتبعض.
77 شعبة نبوية رتّبها الإمام في 10 خصال متدرجة من الصحبة (الأولى) إلى الجهاد (العاشرة). الترتيب سياسة شرعية تربوية لا بدعة.
الترابط بين المحاور دقيق: التجديد يضمن أن الإيمان حيٌّ. السلم الثلاثي يحدد مكان كل واحد من الإيمان. شعب الإيمان ترسم طريق الترقي. ثلاثة أبعاد متلازمة: الزمن (تجديد)، العمق (سلم)، البنية (شعب). من فهم هذا الفصل امتلك المرجعية التربوية لكل ما يأتي بعد.
الفصل الثاني يقول: المؤمن كائن متحرك. متحرك في الزمن (إيمانه يبلى فيُجدَّد)، ومتحرك في العمق (يصعد سلمًا من إسلام لإحسان)، ومتحرك في البنية (يحقق شعبة بعد شعبة حتى يبلغ الجهاد). من توقف في أي بُعد من هذه الأبعاد هبط — ولا يبقى في موضعه. والمنهاج النبوي يصون هذه الحركة الثلاثية بدواء يومي (الذكر)، وسلم تربوي (إسلام-إيمان-إحسان)، ومسير منظَّم (الخصال العشر).
كثر من بين حكام الجبر المرشحون لاسم مجدد القرن. وبعضهم ممن لا يمت إلى الإيمان بصلة ألّف في الموضوع. الذهنية الرعوية الانتظارية التي تعتمد على الغير أن يدبر لها أمرها سائدة، فهم يرسخون الانتظار والقعود بالتزوير ورفع الشعارات.
علماؤنا السابقون بإيمان تناقشوا طويلًا لمعرفة مجددي القرون السالفة. ونحن يهمنا أن نعرف معنى التجديد، ومن يجدد، وبم يجدد، وكيف يجدد، لا حبًّا في الاطلاع، لكن تحريًا أن يكون جهادنا مستمدًا من الهدي النبوي، منضبطًا بالسنة النبوية، سائرًا على منهاج النبوة.
ثلاثة أحاديث ورد فيها ذكر التجديد:
تحصَّل لنا من هذه الأحاديث أن الإيمان يبلى فيجب تجديده، يضعف فتتعين تقويته، وأن الأمة تكلؤها عناية الله فيبعث سبحانه لها من يجدد دينها، وأن الإيمان يعالج من بلاه وضعفه بطب موصوف لا لبس في كنهه وماهيته ووسيلته.
جاء في الأثر أن الإيمان قول باللسان وتصديق بالجنان (وهو القلب) وعمل بالأركان. لكن موطن الإيمان القلب، بل هو منطلق الإيمان. فإن خبت بواعث الإيمان في القلب بطل العمل ونطق اللسان نفاقًا. ومتى قوي الإيمان في القلب بتجديده اشتدت بواعث العمل الصالح.
ليس التجديد تغييرًا للثابت من شرع الله، فإن أحكام الكتاب والسنة ماضية إلى يوم القيامة. دعاة العصرنة يودون لو نقصنا من الإسلام هذه الصلاة المستغرقة للوقت، وهذا الصيام المرهق للعمال، وصيرناه إيديولوجية بلباس عصري. لا نرتاب أن الاجتهاد ضروري لتكييف حياة العصر مع شرع الله، فهو تسليم العصر لا عصرنة الإسلام.
يبعث الله من يجدد للأمة دينها. اختلف علماؤنا منذ قديم في تعيين مجدد كل قرن، واتفقوا أو كادوا أن مجدد القرن الأول عمر بن عبد العزيز. ونحن ننظر إلى القرن الرابع عشر فنرى رجالًا يبرز من بينهم الشيخ البنا بنورانية خاصة، وأثر في تربية هذه الأجيال الصالحة، فلا نبعد أن يكون هو رحمه الله مجدد القرن الماضي.
ورأينا أن «مَن» المذكورة في الحديث قد تعني شخصًا بعينه كما تعني جماعة يتعاونون على إحقاق الحق بعد إبطال الباطل.
بقيت الوصفة الطبية: كلمة لا إله إلا الله، قولها، الإكثار من قولها باللسان. باللسان أولًا. ألا إن رسول الله ﷺ أوتي جوامع الكلم. الإكثار من قول لا إله إلا الله. فجند الله زادهم لا إله إلا الله، كلمة مجددة على اللسان، يكثرون منها. ونرى أن المئات من المرات لا تكفي، يلزم حزب من لا إله إلا الله آلاف المرات بالعشي والإبكار وما بينهما، بالغدو والآصال، آناء الليل وأطراف النهار.
لكلمة إسلام معنى عام يشمل في مدرجته كل معاني العبودية لله، وله معنى خاص عندما يطلق على درجة من درجات العبودية. لا بد لنا من تصنيف الناس في مجتمعاتنا الإسلامية لنعرف أين كل واحد من هذا السلم المرتقي من إسلام لإيمان لإحسان.
ثم لا بد عند التربية أن ننتظر ثمرة التربية، وهي ارتقاء أصحابنا من إسلام لا يتميز عن عامة الناس، إلى إيمان يتكامل فيؤهلهم للدخول في الصف، ثم يتكامل فيؤهلهم للجهاد في الصف، ثم ترقٍّ ثالث يرفع ذوي الاستعداد من رجال الصف إلى مرتبة الإحسان.
الدين إسلام وإيمان وإحسان وترقب للساعة، والدين الذي يجدده الله للأمة بمن يصطفيه من خلقه هو كل هذا، لا يتبعض.
جند الله لا بد أن يكونوا كلهم من المؤمنين، لا يكفي أن يكونوا مسلمين بهذا المعنى الخاص. لكن سعي كل واحد منهم لاستكمال إيمانه فالترقي إلى مرتبة الإحسان أمر أساسي، بدونه ترتخي الصلة بالله وتفتر، فلا مفر لها إن فتر شوق العبد إلى ربه وحب لقائه إلا دركات النفاق.
القابليات للكمال الإحساني متفاوتة عند العباد، فمنهم من لا استعداد له لتجاوز الإحسان الذي كتبه الله على كل شيء، يتقن أعماله العبادية والجهادية والمهنية حتى يكون نموذجًا. ومن العباد من يكون إحسانه مع إحسان الإتقان موقفًا دائمًا أمام الله، ذكرًا لجلاله وحضورًا معه ومع أمره وشريعته، وشوقًا إلى النظر إلى وجهه، وحبًّا للقائه والموت في سبيله.
الوقوف على الباب، والتذلل بين يدي رب الأرباب من كسب العبد. فيجب وجوبًا أكيدًا أن يربى جند الله على لزوم باب العبودية، امتثالًا حريصًا دقيقًا لأمر الله، ومناجاة له، وحضورًا قلبيًا عند ذكر اللسان وخارجه، حتى يصبح العبد المؤمن ذاكرًا ربه، قائمًا بين يديه لا يفتر. على هذا يتوقف نجاح القومة الإسلامية، وهذا القيام بين يدي الله هو لب القومة ومغزاها وروحها.
نقرأ عند بعض علمائنا ذكرًا للكمال والوراثة، ويخيل لبعضنا أن كمال الوراثة ينحصر في التحصيل العلمي. كلا والله! إنما الكمال الاختصاصي وراثة لمقامات الإحسان. التحصيل العلمي الضروري والتربية يهيئان للدخول على باب دخل منه إلى حضرة القرب من أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
نجد أن لا إله إلا الله، إكثارًا من قولها أولًا، هي أعلى شعب الإيمان لا ننس هذا، فبنسيانه نظهر استهانتنا بصدق وبيان المعلم الرباني ﷺ.
سواد جند الله لا بد أن يكونوا مؤمنين، لا يكفي أن يكونوا مسلمين بالمعنى الخاص، مع التوجه الواجب لمراتب الإحسان.
الحديث النبوي عن شعب الإيمان يعطي وسيلة التربية القلبية لا إله إلا الله، ويصف ثمرة الإيمان في خلق الحياء، ويتنزل إلى تلمس دلائل الإيمان في أسهل الأعمال وأبسطها كإماطة الأذى عن الطريق. هذه الثلاثة نماذج للسلوك الرباني النوراني: لا إله إلا الله ونورانيتها — وللتهذيب الوجداني: الحياء والخير الذي يأتي به — وللمشاركة الفعلية في الحياة العامة الجماعية: إماطة الأذى عن طريق المسلمين.
وقد ألف في شعب الإيمان الإمام الحافظ أبو عبد الله الحليمي، والإمام الحافظ عبد الله البيهقي وغيرهما كثير. ولنا اهتمامات لعصرنا وما بعده، ونواجه جهل الناس بإسلامهم فنؤلف تأليفًا غير تأليفهم. لا نأتي بجديد بدعي، لكن نرتب مراحل التربية والتنظيم والجهاد، ونحسب سبعًا وسبعين شعبة متدرجة ما فيها حرف واحد خارج عن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ. أتينا بالترتيب فقط لمقاصد تربوية تنظيمية، فهي سياسة شرعية لا غبار عليها.
وقسمنا السبع والسبعين شعبة عشر فئات سميناها الخصال العشر، وجمعناها في كتاب يضم أكثر من ألفي حديث نبوي يسر الله تحقيقه وطبعه.
تتدرج الخصال العشر من الخطاب القرآني للإنسان وندبه إياه لاقتحام العقبة والكينونة من الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة. فحصول الإنسان في مرحمة الجماعة، باكتشافه أخوتها الدافئة الرفيقة الباذلة الحنون، يحصل الخصلة الأولى: الصحبة والجماعة، ثم يترقى من خصلة إلى خصلة حتى يحصل الخصلة العاشرة وهي: الجهاد. وبذلك تكون تربيته تمت، وعضويته في تنظيم جند الله استوثقت.
إن شعب الإيمان، كما يدل على ذلك المعنى اللغوي لشعب، روافد يتألف منها نهر الإيمان. فإن تصورناها خيوطًا إيمانية تربط العبد بربه فهي تكون، إن فُتلت وأُتقن تأليف رجالها حتى أصبح خلقهم القرآن، حبل الله المتين الممتد من السماء رحمة إلى الأرض، حيث تظهر عملًا حكيمًا وجهادًا مجددًا. وعندئذ فالتمسك بجماعة المسلمين في الأرض استمساك بالعروة الوثقى.