الفصل الثالث هو المختبر العملي لكل المنهاج. إذا كان الفصلان السابقان رسما الطريق وأرسيا المرجعية، فهذا الفصل يجيب عن السؤال التطبيقي المركّب: كيف نصنع المؤمن المجاهد فعليًا — بأي بنية، وأي يوم، وأي شروط؟ يتمحور الفصل حول أربعة محاور: المفاهيم التأسيسية للتربية، البنية الميدانية، المنهج اليومي، والشروط الثلاثة الجامعة.
المجموع، الأعرابية، المراتب، الغناء، الشاهد بالقسط، التربية المستقبلية
الأسر، الحلق، الأسابيع الثقافية، المعسكرات، تربية الشباب والمؤمنات
البرامج والكتب، فقه الواقع، عمل اليوم والليلة، توازن التربية
الصحبة والجماعة، الذكر، الصدق — معادلة التربية الجامعة
قبل ذكر الوسائل والبرامج، يضع الإمام إطارًا مفاهيميًا يمنع التربية من الانحراف. ست مفاهيم محورية تُشكِّل الذهنية التربوية: المجموع، الأعرابية، المراتب، الغناء، الشاهد بالقسط، والتربية المستقبلية. كل واحد منها يقاوم خطأ شائعًا في التصور.
أول مفهوم تأسيسي هو «المجموع». الإمام يستعير الكلمة من علماء الطبقات («فلان فريد في مجموعه») ليرفض رفضًا قاطعًا التربية المعملية:
تنتج جيلًا متماثل الأفراد «كما تخرج البضائع من المعمل». كل المتربين يحفظون الكتب نفسها، يتكلمون اللغة نفسها، يأخذون المواقف نفسها. ظاهرها قوة، باطنها هشاشة: من يخرج عن النموذج يُعتبر منحرفًا.
كل عبد له خصوصيات «في الجسم والعقل وقابليات الإيمان والإحسان». التربية تُنمي هذه الفروق لتُكوِّن مجموعًا متكاملًا. كل واحد فريد في مجموعه — العالم بعلمه، المنفق بنفقته، الجريء بجرأته، الحليم بحلمه. التنوع قوة الجماعة.
هذا المفهوم — وحده — يحمي التربية من ثلاث آفات: الاستنساخ الذي يقتل الإبداع، الإقصاء الذي يخسر طاقات لا تشبه النموذج، والتكلف الذي يجعل المتربي يخفي طبيعته. الإمام يقرر: «لا يمكن أن تنتج التربية جيلًا متماثلًا أفراده». هذا ليس عيبًا في التربية، بل قانون إلهي كرَّمه الله بإعطاء كل عبد خصوصياته.
الإمام يستحضر تصنيفًا قرآنيًا دقيقًا: في عهد النبي ﷺ كان الناس ثلاثة أصناف: المهاجرون، الأنصار، والأعراب. الأعراب «قوم مسلمون في أطراف جماعة المسلمين سكنًا وإيمانًا». لاحظ: أعراب القرآن مسلمون، لكنهم لم يُهاجروا ولم يُناصروا. وسورة التوبة تكشف أنهم خليط: «صادقون، منافقون، قاعدون متخلفون، يخونون عهد الله». والإمام يسحب الحكم على واقعنا: «غثاؤنا الحالي خليط فيهم الصالحون وفيهم دون ذلك». التصنيف ليس لتكفير، بل لتمييز الصادقين.
المفاهيم الست لا تُذكَر اعتباطًا — كل واحد يقابل خطأ شائعًا في التصور التربوي:
كل عبد مجموع فريد من فضائل وقابليات. التربية تستثمر التنوع لا تمحوه.
المسلمون أصناف: مهاجرون، أنصار، أعراب. التمييز ضروري، التكفير ممنوع.
نصير، مهاجر، نقيب. المراتب لتنظيم المسؤولية لا لتقدير الدرجات عند الله.
«المرء وغناؤه في الإسلام، وسابقته، وحظه من الله». ميزان أداء، لا ميزان نسب.
«المؤمن القوي الأمين الثابت في رباطه». قائد بنوارنية قلب، لطف معشر، وصرامة إرادة.
صناعة الموت + صناعة التاريخ. المؤمن يُربَّى ليس لمواجهة الحاضر فقط، بل لبناء غد الأمة.
الترتيب ليس عشوائيًا: المجموع (طبيعة الفرد) → الأعرابية (طبيعة الجماعة) → المراتب (بنية تنظيمية) → الغناء (ميزان داخل البنية) → الشاهد بالقسط (قمة البنية) → التربية المستقبلية (الأفق الأبعد). من الفرد إلى الجماعة إلى التنظيم إلى القيادة إلى الأفق. كل مفهوم يجيب على سؤال يطرحه الذي قبله.
مربٍّ نشيط، استقطب مجموعة شباب متميزين. تشكلت أسرة قوية. لكن حين انضم إليها شاب «متوسط الأداء» — ليس ضعيف الإيمان، لكن ليس بنفس همة الآخرين — يُعتبر «معطلًا للأسرة»، يهمَّش، يكلَّف بمهمات هامشية، يُصنَّف ضمنيًا في «العامة».
الإمام يقول: «كل عبد له خصوصيات في الجسم والعقل وقابليات الإيمان والإحسان». هذا الشاب «المتوسط» قد يكون فريدًا في مجموع آخر: ربما حلمه استثنائي، أو نفقته كريمة، أو بساطته جذابة للناس البسطاء الذين لا يستجيبون للنخبة. المربي الذي يقيس بمعيار واحد يهدر مجموعًا فريدًا. الإمام يصرّ: تربية المجموع لا تربية النموذج. الأسرة قوة بتنوعها لا بتشابهها.
مجموعة شباب ملتزمين، انخرطوا حديثًا في صف، تشكَّل عندهم وعي قوي بضرورة التميز. بعد فترة، أصبحوا ينظرون إلى المسلمين العاديين — الذين يصلون لكن لا ينخرطون، الذين يصومون لكن لا يحضرون الدروس — على أنهم «مسلمون بالاسم»، «على ملة آبائهم»، «إسلامهم تقليدي ميت».
الإمام يستحضر القرآن: «الأعراب في القرآن والحديث مسلمون». يعني أن النبي ﷺ والقرآن أنفسهما سمَّوا الأعراب الذين خانوا عهد الله مسلمين — صنفوهم لكن ما كفروهم. ولهذا يقول الإمام بصراحة قاطعة: «تصنيف الناس على عهدنا وما بعده لا ينطلق من تكفير أحد ولا تضليله إلا أن يكون كفر بواح لنا فيه من الله برهان». التمييز للحق، التكفير للجائر. والشاب الملتزم الذي يكفر العامة يضع نفسه فوق منهج الوحي ذاته.
عضو في الجماعة منذ ثلاثين سنة. أبوه من المؤسسين، عمه نقيب، إخوته كلهم في مراتب قيادية. هو لم يفعل شيئًا استثنائيًا: لا غناء له خاص، لا سابقة جهادية، أداؤه عادي. لكنه يتوقع — بحكم العائلة — أن يُرقَّى نقيبًا.
الإمام يحيل إلى ميزان الفاروق: «المرء وغناؤه في الإسلام، والمرء وسابقته في الإسلام، والمرء وحظه من الله». ثلاثة معايير: غناء (ما يُفيد به الدعوة)، سابقة (ما برهن عليه عبر الزمن)، حظ من الله (ما له من قبول وتوفيق). ولا واحد منها بالنسب. لما فضَّل عمر بعض الناس على بعض، ما فضَّلهم بأنسابهم بل بأدائهم. الإمام يصرّ: «نحتاج لهذا الميزان، فهو من سنة رسول الله ﷺ الذي أمرنا أن نعض بالنواجذ على سنة خلفائه الراشدين». المرتبة شأن أداء، لا شأن مولد.
الإمام يجمع بين الحزم (التصنيف ضروري، الترقية بميزان) والإنصاف (لا تكفير، لا تكبر، لا قبلية). ومن قصر تصوره على إحدى هاتين اللحظتين سقط في فخ. المنهاج التأسيسي للتربية يُعطي إطارًا لا يصلح بدونه أي عمل تربوي: قبل أن نسأل «بأي وسيلة نربي؟» يجب أن نُجيب: «من نربي؟ ولأي مرتبة؟ وبأي ميزان؟».
التربية لا تبدأ بالمنهج بل بالنظر. كيف ننظر إلى المتربي (مجموع فريد لا قالب)، إلى المسلمين (أصناف لا كتلة)، إلى المراتب (مسؤولية لا منزلة)، إلى الترقية (غناء لا نسب)، إلى القائد (شاهد بالقسط لا متسلط)، إلى الأفق (صناعة تاريخ لا لحظة قتال). المفاهيم التأسيسية ليست مقدمة نظرية، بل عدسة بدونها يُولَد المنهج كله مشوهًا.
من المفاهيم إلى المؤسسات. الإمام يصف المؤسسات الفعلية التي تجري فيها التربية: الأسرة، الحلقة، المعسكر، الأسبوع الثقافي، تربية الشباب، تربية المؤمنات. ست مؤسسات تتكامل في منظومة تربوية تربط بين الخاص والعام، البيت والمسجد، الفرد والشعب.
مربٍّ مع تلميذ، علاقة شخصية، لقاءات مرنة. قد تنتج فردًا متميزًا، لكن لا تنتج صفًّا. النموذج الصوفي التقليدي. تنقصها: البنية المنظَّمة، التنوع المؤسسي، التكامل مع الواقع العام.
منظومة من المؤسسات: أسرة (نواة)، شعبة (تجمع)، حلقة (انفتاح على العامة)، معسكر (انعزال مكثَّف)، أسبوع ثقافي (دعوة عامة). كل مؤسسة تكمل الأخرى، ومجموعها يصنع بيئة تربوية شاملة.
الإمام لا يكتفي بأن يقول «ربّوا أبناءكم» أو «اجلسوا للذكر». بل يُحدد هياكل تنظيمية تستوعب التربية. لماذا؟ لأن التربية الفردية وحدها — مهما كانت مخلصة — تذوب في تيار العصر. لكن الفرد داخل أسرة، ضمن شعبة، تحت قيادة نقيب، تتغذى من حلقات المسجد، تخرج إلى المعسكرات، وتدعو في الأسابيع الثقافية... هذا بيئة تربوية بديلة تقاوم البيئة الجاهلية بحجم أكبر منها.
الإمام يستحضر تعبير سيد قطب: «الجماعة المصحوبة محضنًا». المحضن مكان الحضانة — حيث يَنمو الجنين في حماية. والمتربي الجديد طفل إيماني يحتاج محضنًا يحميه حتى يقوى. ثم يستحضر مفهومًا آخر: «عزلة شعورية» — لا انعزال جسدي، بل نَفْسٌ منفصلة عن قيم الجاهلية حتى وهي تعيش وسطها. والبنية الميدانية للتربية هي الإطار الذي يجعل العزلة الشعورية ممكنة: تلتقي بإخوتك في الأسرة، فتعود إلى الشارع وأنت لست منه.
ست مؤسسات تربوية، كل واحدة لها وظيفة محددة وموقع في المنظومة. الترتيب من الأقرب إلى الأبعد، من الخاص إلى العام:
المحضن العاطفي والفكري الأكثر قربًا. تلامس يومي. خصوصية كاملة.
الانفتاح على عامة الناس، تجنب العزلة، تحرير المسجد من «الإسلام الرسمي».
الدعوة بالحدث الكبير، استقطاب مساحات اجتماعية بأكملها لا أفرادًا.
الانفصال المؤقت عن الواقع لإعادة شحن البواعث، تجديد جذوة الإيمان.
توجيه طاقة الشباب: رياضة، خرجات، سياحة دعوية، نشاطات جامعية تظهر قوة الإيمان.
تربية النصف الآخر للمجتمع، اللاتي يربين الأبناء ويُنشئن البيوت الإيمانية.
المؤسسات الست ليست بدائل تختار منها، بل أعضاء جسد واحد: الأسر تعطي العمق، الحلق تعطي الانفتاح، الأسابيع الثقافية تعطي الجذب الجماهيري، المعسكرات تعطي الشحن، تربية الشباب تعطي الديناميكية، تربية المؤمنات تعطي الاكتمال. غياب أي مؤسسة يخل بالمنظومة: جماعة بأسر بدون مساجد تنعزل، جماعة بمعسكرات بدون أسر تتشتت بعد المعسكر، جماعة برجال بدون نساء تخسر شطر الأمة.
مجموعة شباب ملتزمين، يلتقون مرة واحدة في الأسبوع لساعتين في درس. خارج هذه الساعتين، كلٌّ يعيش حياته الخاصة في بيئة عادية: مدرسة، عمل، إعلام، شارع. يحرصون على الدرس، لكن لا أسرة، لا معسكر، لا حلقة مسجد، لا نشاط جماعي.
الدرس الأسبوعي وحده لا يقاوم 168 ساعة من البيئة الجاهلية المحيطة. الإمام يستحضر تعبير سيد قطب: «المحضن». المتربي يحتاج حضانة، لا زيارة. والحضانة لا تُعطى في ساعتين أسبوعيًا، بل في منظومة متشابكة من البنية الميدانية: أسرة لقاءات أسبوعية متعددة، حلقة مسجد، معسكر شهري، نشاط طلابي. الدرس الأسبوعي بلا منظومة = بقايا أثر سرعان ما تذوب.
مسجد كبير في حي مكتظ. يفتح للصلوات الخمس، الإمام موظف رسمي يلقي خطبة معدة سلفًا، الدروس قليلة وجامدة، لا حلقات شبابية، لا أنشطة، لا حضور لقضايا الأمة. وعاء فاضٍ من المضمون التربوي.
الإمام صريح: «تحت حكم الجبر ينبغي أن يكون تحرير المسجد من الإسلام الرسمي مطلبًا أساسيًا». التحرير لا يعني المواجهة المسلحة، بل إقامة الحلق التربوية والدروس الإيمانية داخل المسجد، وتحويله من مكان صلاة فقط إلى «عرين أسود ورياض جهاد ومدرسة جامعة» — كما كان على عهد النبي ﷺ. والمسلم الذي يكتفي بصلاته الخمس يخسر الأهم الذي صنعه النبي ﷺ من المسجد.
جماعة قوية في رجالها. عشرات الأسر، نقباء أكفاء، نشاط ميداني. لكن لا برنامج للنساء: المؤمنات إذا كن متزوجات يكتفين بدور البيت، وإذا كن طالبات لا توجد بنية تستقبلهن. النصف الآخر غير منظَّم.
الإمام يقرر: «يعم المؤمنات ما يعم المؤمنين في إطار الشرع». المؤمنات «يتحمَّلن مسؤوليتهن العظيمة في دعوة وتربية شطر الأمة». وتربية الأبناء قبل أن تكون مهمة الآباء هي مهمة الأمهات. صف بدون نساء: (١) يخسر شطر القدرة الدعوية، (٢) يفقد بيئة بيوتية مساندة لأبنائه، (٣) يكوِّن جيلًا جديدًا في بيوت غير مهيأة. الإمام يصرّ: «لا يُمنع إماء الله من مساجد الله». البنية الميدانية ناقصة بدون شطرها النسائي.
النماذج الثلاثة الأولى ليست خاطئة في ذاتها، لكنها أخذت لبنة وتركت البنيان. الصوفي صدق في ضرورة العمق الفردي، لكن أهمل البناء الاجتماعي. الجماهيري صدق في ضرورة التأثير الواسع، لكن أهمل العمق. الحركي صدق في ضرورة المواجهة، لكن أهمل التربية. الإمام يجمع صدق الكل في منظومة واحدة: الأسرة لمن كان عند الصوفي، والمسجد لمن كان عند الجماهيري، والمعسكر للشحن، والأسبوع الثقافي للحضور، وتربية الشباب للديناميكية. كل ركن لا يُغني عن غيره.
التربية لا تتم في الفراغ، بل في منظومة مؤسسات متكاملة: الأسرة (محضن العمق)، المسجد (نافذة الانفتاح)، المعسكر (محرقة الشحن)، الأسبوع الثقافي (موسم الجذب)، تربية الشباب والمؤمنات (شطرا الجسد). غياب أي مؤسسة يحوّل الباقي إلى نتوء أعرج. المنظومة هي ما يصنع «عزلة شعورية» تقاوم الجاهلية المحيطة بحجم أكبر منها.
من البنية إلى التفصيل اليومي. كيف يُمضي المؤمن يومه؟ ماذا يقرأ؟ كيف يوازن بين تخصصه الدنيوي ومسؤوليته الإيمانية؟ الإمام يُعطي برنامجًا تفصيليًا لليوم وأسماء كتب محددة وتوازنًا منهجيًا يحفظ من ثلاثة مزالق: الزهادة، والإغراق الفكري، والحركية المنفلتة.
يومٌ يمضي بلا معالم: ساعات متشابهة، أعمال روتينية، أوقات تسلية. المؤمن قد يصلي ويصوم لكن زمنه ليس مُمَعلَمًا. ينتهي اليوم وقد ضاع. هذا «زمن العادة واللهو» الذي يحذر منه الإمام.
يومٌ مُمَعلَم بمحطات إيمانية: قيام ليل، استغفار سحر، تلاوة فجر، صلاة ضحى، أذكار، صلاة على النبي ﷺ، محاسبة قبل النوم. كل ساعة لها وظيفة، كل وقت له جزاء. القدم راسخة، البصيرة حاضرة.
الإمام يستعير المفهوم المالي ويسحبه على الوقت: «وليكن وقتك بمثابة ميزانية تنفق منها، فكن بوقتك شحيحًا أن تصرفه في الغفلة». الوقت رأس مال محدود. كل دقيقة تُنفَق في غير الذكر أو العلم أو الجهاد خسارة محاسبية. والإمام يبلغ ذروة التشدد: «الوقت الذي تندم عليه ولات ساعة ندم هو وقت لم تذكر فيه الله تعالى باللسان والقلب والجهاد لنصرة دينه».
الإمام لا يكتفي بـ«اذكر الله» أو «اقرأ القرآن». بل يحدد عددًا (إحدى عشرة ركعة، 300 مرة على النبي ﷺ، ثلاث جلسات لذكر لا إله إلا الله...)، ويحدد وقتًا (قبل الفجر، بين الفجر والشروق، الضحى...)، ويحدد مرجعًا (كتب بعينها). لماذا التفصيل؟ لأن «الإكثار لم يعين حده» في الحديث، فيكون كل واحد بحاجة لـميزان عملي يتحقق به الإكثار. التفصيل ليس تشددًا، بل تيسيرًا للتقدير الذاتي.
تسع نقاط تشكل بنية اليوم الإيماني للمؤمن. ليست توصيات عامة بل برنامج محدد:
البرنامج يقوم على ثلاثة مبادئ: (١) الكثرة لا تكفيها المئات — «المئات من المرات لا تكفي»، يلزم آلاف. (٢) التوقيت دقيق — وقت السحر للقيام، الضحى لصلاتها، ليلة الجمعة للصلاة على النبي ﷺ. الزمن جزء من العبادة. (٣) التكامل مع الدنيا — الطالب يتفوق، العامل يتقن، الأسرة لها ساعتها. الإسلام لا يلغي الدنيا، بل يُمعلمها.
إلى جانب البرنامج الزمني، يضع الإمام منهجًا معرفيًا بأسماء كتب محددة في أحد عشر بابًا. هذه ليست قائمة قراءة عشوائية، بل بنية معرفية متكاملة:
الإمام يخصص فقرة طويلة للدفاع عن كتب الرقائق والتزكية ضد من يطعن فيها. يستحضر: ابن تيمية الذي «كان يقرأ قوت القلوب المرة بعد الأخرى» وأثنى على أبي طالب، والحافظ العراقي الذي خرَّج أحاديث الإحياء، والحافظ المقدسي الذي اختصره، وابن رجب الحنبلي الذي اختصر الاختصار. ثم يقول جملته الحاسمة: «فلا يصدنك عن معين طب القلوب هذا صاد. وما وقفت عنده من عبارات لا تفهمها فكِل أمرها إلى الله». الإمام يبني منهاجًا جامعًا بين السلفية والصوفية المعتدلة.
مسلم محترم، يصلي الخمس في وقتها، يحضر الجمعة، يصوم رمضان. هذه فرائضه ولا زيادة. لا قيام ليل، لا أذكار محددة، لا تلاوة منتظمة. يقول لنفسه: «الفرائض هي الواجب، والباقي تطوع».
المؤمن صحيح فيما يقول من ناحية الفقه، لكن منهج الإمام أعمق: المؤمن المُربَّى لا يُقاس بالفرائض، بل بـ«المعالم» التي يبني بها يومه. الإمام يقرر صراحة: «يجب أن تكون في حياته اليومية معالم لتكون قدمه راسخة في زمن العبادة والجهاد لا في زمن العادة واللهو». ومن عاش على الفرائض فقط، حياته «زمن عادة» وإن لم يكن لهوًا. لا يصنع جند الله من يكتفي بالواجب. الواجب أرضية، والبرنامج اليومي بناء فوقها.
مربٍّ ملتزم، يربي تلامذته على الذكر والقرآن والسيرة. لكنه يُحقّر التعلم الدنيوي: «هل تعلم الإنجليزية يقربك من الله؟ هل الفيزياء تنفع في القبر؟». تلامذته يتفوقون روحيًا، ويتخلفون دنيويًا. خرَّج جيلًا تقيًا لكنه عاجز عن إدارة دولة أو مواكبة عصر.
الإمام يضع نقطة كاملة في فقه الواقع: «من إعداد القوة التي أمرنا بها أن يتعلم كل مؤمن لغة أجنبية أو لغات. وأن يقرأ من كتب علم السياسة والأيديولوجية المعاصرة ما به يستطيع أن يخاطب أهل العصر على مستوى تفكيرهم». والإمام يشدد: «لا ننسَ أننا بحاجة لرجال الدعوة قبل قيام الدولة الإسلامية وبعده، وبحاجة لأطر الدولة ليديروا الاقتصاد والإدارة... هم الأمة لا يحمله الورع القاعد». المربي الذي يحقّر العلم الدنيوي يُعدُّ تلامذته للقعود لا للنهوض. الورع وحده لا يبني دولة.
ثلاثة شباب من جماعة واحدة، انحرف كل منهم في اتجاه: الأول غارق في الزهادة ينعزل عن الناس باسم الروحانية. الثاني غارق في الفكر يقرأ ولا يعمل. الثالث غارق في الحركية يتظاهر ويناضل بلا تقوى ولا علم.
«كان الإمام علي كرم الله وجهه يخاطب جنده في حروب الفتنة يقول: «يا أشباه الرجال ولا رجال!»». لماذا؟ لأن جنده كانوا «مسلمة الفتوح، ما نالوا من التربية نصيبًا مما ناله الرجال حق الرجال». والإمام يحدد بدقة: «إسلام الزهادة والهروب من المجتمع، والإسلام الفكري، والحركية على حساب التقوى والعلم — ثلاثة مزالق». التربية الناجحة تجمع الأبعاد الثلاثة: تقوى زاهد + عمق مفكر + حركة مناضل، بلا تطرف في أي بعد. «الرجل حق الرجل» جامع لا منغمس.
الإمام لا يُسقط أحد الأنماط، بل يدمج الصدق فيها كلها: يأخذ من نمط الفرائض الدقة الفقهية، ومن نمط الزهادة العمق الروحي، ومن نمط الفكر السعة المعرفية. ويضيف ما ينقص الكل: الفعل المنظم، الاختصاص الدنيوي، فقه الواقع. النتيجة: منهج يومي ومعرفي يصنع «الرجال حق الرجال»: لا «أشباه رجال» بسبب نقص في بُعد، ولا «نسخة مكررة» لنمط واحد.
التربية تتحقق في ثلاثة مستويات يومية متلازمة: الزمن المُمَعلَم (تسع محطات يومية)، المنهج المعرفي (أحد عشر بابًا من الكتب)، الاختصاص الدنيوي (لغة + سياسة + مهنة). والتوازن بين الثلاثة شرط أصيل: زهادة بلا علم تُنشئ كهنوتًا، علم بلا حركة يُنشئ مكتبيًا، حركة بلا تقوى تُنشئ مغامرًا. «الرجل حق الرجل» جامع لا اختزال فيه.
يختم الإمام الفصل بـالمعادلة الجامعة: «صحبة وجماعة + ذكر + صدق». ثلاثة شروط لا يكفي اثنان منها: شرط في المربي والبيئة، شرط في تجديد الإيمان، شرط في المتربي وقابليته. هذه الذرة الأولية لكل تربية إسلامية ناجحة، وغياب أيٍّ منها يُفسد الكل.
صحبة بدون ذكر = جسد بلا روح. تجمع رجال طيبون لكن قلوبهم باردة، تربيتهم اجتماعية لا إيمانية. ذكر بدون صدق = طاقة بلا وعاء. مؤمن صادق الذكر لكنه ضعيف الإرادة، لا يبلغ الجهاد. صدق بدون صحبة = همة بلا توجيه. يُهلك صاحبه أو يضل وحده.
صحبة + ذكر + صدق. هذه المعادلة الذرية — لا تنقسم. ثلاثة شروط في موقع كل منها لا يقوم البناء بدونه: الصحبة بيئة، الذكر روح، الصدق قابلية. ثلاثية متشابكة تُعطي المنبع، والتيار، والإناء. أي اثنين بدون الثالث = تربية مهدورة.
ينهي الإمام الفصل بصياغة جامعة لا تقبل الشك: «صحبة وجماعة + ذكر + صدق، هذه معادلة التربية الإسلامية في خطوطها الرئيسية». لاحظ: المعادلة في «الخطوط الرئيسية». التفصيل في الخصال العشر التي ستأتي. لكن هذه الثلاثة قاعدة لا يصلح ما بعدها بدونها. كل خصلة من العشر، كل وسيلة، كل برنامج — يقوم على هذه الثلاثة.
الإمام يعطي مفاتيح التشخيص:
(1) فشل صحبة: «لا تنجح التربية إن كان النقيب المشرف عليها مجردًا عن عاطفة المرحمة أو لم يكن قدوة في تقواه وسلوكه». نقيب صارم بلا حب = صحبة فاشلة.
(2) فشل ذكر: «أوتيتم القرآن قبل الإيمان فأنتم تنثرونه نثر الدقل» (ابن عمر). تعلم بلا ذكر = إيمان لم يُجدَّد.
(3) فشل صدق: «لا فائدة من ضرب الحديد البارد، ولا فائدة من محاولة تربية من ليس له استعداد». تربية بلا قابلية = جهد ضائع.
١. وجه باش وكلمة مشجعة أول ما يدركه الوارد. ٢. محبة لا تأتي بتصنع — يجدها المؤمن من فرحه بكل مهتدٍ. ٣. المربي قدوة في تقواه قبل تعليمه.
١. «لا إله إلا الله» النبع، نورها الفيض. ٢. ينشأ في الجماعة فيض إلهي تستمد منه القلوب بعضها من بعض. ٣. تحت خصلة الذكر اثنتا عشرة شعبة من شعب الإيمان.
١. قوة إرادة + طول نفس. ٢. قابلية للاندماج في الجماعة. ٣. لا تُربَّى الحديدة الباردة — لا فائدة من محاولة تربية من ليس له استعداد.
ثلاثة أبعاد متمايزة لكنها متشابكة: الصحبة شرط في المُربِّي والبيئة (أين تُرَبِّي). الذكر شرط في الباعث (بماذا تُجدِّد). الصدق شرط في المتربي (من تُربِّي). والإمام يصرح: «شرط في المربي وبيئة التربية، وشرط في تجديد الإيمان، وشرط في المربى وقابليته للجندية». ثلاثة أبعاد للمعادلة الواحدة. الخصال العشر فروع على هذه الثلاثة.
جماعة عريقة، نقباؤها أكفاء فكريًا، يحفظون النصوص، يديرون التنظيم بدقة. لكن عواطفهم باردة: لا ابتسامة، لا كلمة مشجعة، لا تتبع لأحوال الإخوة. كل لقاء «عمل وانصراف». الواردون الجدد يجدون منهجًا قويًا، لكن لا يجدون قلوبًا.
الإمام صريح في تشخيص هذه الحالة: «لا تنجح التربية إن كان النقيب المشرف عليها مجردًا عن عاطفة المرحمة أو لم يكن قدوة في تقواه وسلوكه — صحبته لا تنفع إذًا». الصحبة ليست مجالس فحسب، بل عاطفة. والعاطفة لا تُتصنَّع بل تنبع من فرح المؤمن بالمؤمن. هذه الجماعة ستظل تُنتج «رجال تنظيم» لا «رجال تربية». الفرق: التنظيم يُنفِّذ، التربية تُولد. والولادة تحتاج دفئًا قبل المنهج.
جماعة نشيطة في النشاط الدعوي. كل لقاء فيه عرض، نقاش سياسي، تخطيط، توزيع مهام. لا وقت للذكر: «اجتماعاتنا مكثفة، لا نضيع الوقت في الأدعية الجماعية». يخرج المتربون مشحونين فكريًا، لكن قلوبهم لم تتجدد.
«أوتينا الإيمان قبل القرآن، وأنتم أوتيتم القرآن قبل الإيمان فأنتم تنثرونه نثر الدقل». التعلم بدون إيمان متجدد يُنتج علمًا متناثرًا كالتمر الرديء. والإمام يقرر: «عندما تكون الصحبة صالحة... ويقبل الكل على ذكر الكلمة الطيبة النورانية حتى يخرجوا عن الغفلة، ينشأ جو إيماني مشع». الذكر يحوِّل الاجتماع إلى مَحضن. بدونه: شعارات بلا قلب، تخطيط بلا روح، نشاط ينطفئ سريعًا. قوم غافلون قوم قاعدون، رجال ذاكرون رجال مجاهدون.
خلاف داخل جماعة: فريق يقول «افتح الأبواب لكل من شهد الشهادتين، فالعدد قوة». فريق آخر يقول «ضيِّق الانتقاء حتى تحفظ النخبة». هل الجماعة نخبوية أم جماهيرية؟
الإمام يطرح السؤال صراحة: «هل التنظيم الإسلامي تنظيم نخبوي أو جماهيري بلسان العصر؟» ثم يجيب بحسم: «جماعة المسلمين لا تتكون إلا من المهاجرين والأنصار كما كانت على عهد رسول الله ﷺ، ومن عداهم يسمون في القرآن أعرابًا فلا يخاطب بالجهاد إلا من هاجر ونصر». والقاعدة الحاكمة: «الصف مكون من عناصر قادرة على التماسك» — هذا قاعدة الصدق. لكن: «الجماعة... تستطيع أن تستقطب عطف الشعب، وتستدعي سنده ودعمه، بل واجبها أن تعلم الشعب وتربيه وتعبئه». الصف نخبوي، الأثر جماهيري. لا تناقض: نخبة قوية الصف تخدم جماهير عريضة. والمعادلة لا تستقيم إلا بشرط الصدق في المنتقى.
الإمام يلتقط من كل مدرسة صدقها ويضعه في موقعه: من المدرسة الأخوية يأخذ الصحبة. من المدرسة الصوفية يأخذ الذكر. من المدرسة الحركية يأخذ الصدق. ولكن أيًا منها وحدها لا تُنتج المؤمن المجاهد. الثلاثة لا تنفصل: المربي بدون مرحمة لا يُنبت، الجلسة بدون ذكر لا تشع، المتربي بدون صدق لا يقوى. هذه هي ذرَّة التربية الإيمانية، وعليها يُبنى كل ما يأتي بعد.
تربية المؤمن المجاهد معادلة ثلاثية ذرَّية: الصحبة الدافئة (المربي بمرحمة + الجماعة المتآخية) + الذكر المتجدد (لا إله إلا الله نبعًا، فيضًا، نورًا) + الصدق المُمتَحَن (إرادة، طول نفس، قابلية للاندماج). غياب أي شرط يُسقط الكل. ومن فهم هذه المعادلة فقد امتلك مفتاح الفصل كله، بل مفتاح المنهاج التربوي كله.
الفصل الثالث منعطف الكتاب من النظر إلى التطبيق. أربعة محاور تتدرج من المفاهيم إلى المؤسسات إلى اليوم إلى الذرَّة. ومن أتمها أتم نموذجًا تربويًا متكاملًا لا تنقصه قطعة.
ست مفاهيم تشكِّل العدسة: المجموع (لا قالب)، الأعرابية (تصنيف بلا تكفير)، المراتب (نصير-مهاجر-نقيب)، الغناء (ميزان عمر)، الشاهد بالقسط (مواصفات النقيب)، التربية المستقبلية (صناعة التاريخ).
ست مؤسسات متكاملة: الأسر (محضن العمق)، الحلق في المساجد (نافذة الانفتاح)، الأسابيع الثقافية (موسم الجذب)، المعسكرات (محرقة الشحن)، تربية الشباب (ديناميكية)، تربية المؤمنات (شطر الجسد).
تسع محطات يومية (قيام، استغفار، تلاوة، ضحى، رواتب، ذكر، صلاة على النبي ﷺ، محاسبة، أسرة) + أحد عشر بابًا معرفيًا + اختصاص دنيوي. مع تجنب ثلاثة مزالق: الزهادة، الفكر، الحركية.
المعادلة الذرية: صحبة + ذكر + صدق. الصحبة شرط الميلاد، الذكر شرط النشوء، الصدق شرط التمكُّن. غياب أي شرط يُسقط البناء. وعليها تُبنى الخصال العشر التي تأتي في الفصل الخامس.
المحاور الأربعة بنية متماسكة: المفاهيم هي العدسة، البنية هي الإطار، المنهج اليومي هي اللحم، والشروط الثلاثة هي الذرة الأولية. ومن استوعب الأربعة معًا امتلك منهجًا متكاملًا لإنتاج «الرجال حق الرجال» — لا «أشباه رجال» الذين خاطبهم الإمام علي. المؤسسات بلا مفاهيم تنحرف، والمنهج بلا شروط يُجهض، والشروط بلا منهج تُهدر. الفصل الثالث وحدة عضوية لا تتجزأ.
التربية ليست برنامجًا، بل منظومة رباعية الأبعاد: عدسة تنظر (المفاهيم)، إطار يحضن (المؤسسات)، يوم يُمَعلَم (المنهج)، ذرة تُكوِّن (الشروط الثلاثة). والمنهاج النبوي يدرك أن الأربعة لا تُختزل في واحد. كل خطأ في تربيتنا المعاصرة يمكن تشخيصه عبر تحديد البُعد المختل: مَن أهمل المفاهيم بنى على الرمل، ومَن أهمل المؤسسات تربى في الفراغ، ومَن أهمل اليومي عاش بالعموميات، ومَن أهمل الشروط هدر الجهد. التربية الناجحة جمع لا اختزال، ومنظومة لا قطعة.
كان علماؤنا ممن ألف في طبقات الرجال يكتبون: «فلان فريد في مجموعه»، يقصدون أن ما اجتمع فيه من فضائل العلم والعمل جعله ممتازًا لا يماثله أحد في اجتماع تلك الفضائل.
ونحن نعتقد أن ما من عبد إلا وأعطاه الله المنعم خصوصيات في الجسم والعقل وقابليات الإيمان والإحسان، لذلك فلا يمكن أن تنتج التربية جيلًا متماثلًا أفراده كما تخرج البضائع من المعمل. فنحتفظ بكلمة «مجموع» ومفهوم «مجموع».
الأعرابية صفة للأعراب، وللكلمة مدلول لغوي، فالأعراب لغة هم العرب البدو، كما أن للكلمة معنى إسلاميًا قرآنيًا. وهم في القرآن والسنة مسلمون أسلموا ولم يهاجروا إلى رسول الله ﷺ ولا نصروه نصرة الأوس والخزرج رضي الله عنهم.
فالأعراب في القرآن والحديث هم، في مقابل المهاجرين والأنصار، قوم مسلمون في أطراف جماعة المسلمين سكنًا وإيمانًا. ونقرأ سورة التوبة لنعلم أن الأعراب خليط من مسلمين صادقين، وآخرين منافقين، وآخرين قاعدين متخلفين، وآخرين يخونون عهد الله. وغثاؤنا الحالي خليط فيهم الصالحون وفيهم دون ذلك، فتصنيف الناس على عهدنا وما بعده لا ينطلق من تكفير أحد ولا تضليله إلا أن يكون كفر بواح لنا فيه من الله برهان، لكن نميز الصادقين حتى لا نحسب أن عدد المحوقلين يغني شيئًا في حقائق الجهاد.
لا نستطيع أن نعلم، إلا بحسن الظن، قدر عبد من عباد الله عند الله.
فما يعلمه الله من درجات عباده عنده غيب. وإنما نعطي جند الله مراتب حسب ما نراه نحن وما نقدره من كفاءتهم وغنائهم في الجهاد. ونترك ما بين العبد وربه.
ابتداء من إسلام عام، نربي ونمتحن من كان قابلًا للتربية ومن يقترح نفسه حتى نأنس أنه أصبح نصيرًا للدعوة فنسميه عضوًا نصيرًا، فإذا زاد على المشاركة الناصرة وحصل على مجموع جيد من الفضائل العلمية العملية الخلقية التنفيذية سميناه عضوًا مهاجرًا، استئناسًا وتفاؤلًا بهذين اللقبين الكريمين عند الله.
ثم بعد النصرة والهجرة لا بد من مؤمنين ممتازين بإحسانهم وكفاءتهم التربوية، نسميهم نقباء، يكلفون بتربية المؤمنين وتنظيمهم. يحكم على صلاح المرشح للعضوية والترقية مجلس المؤمنين: مجلس الشعبة بالنسبة لرتبتي النصرة والهجرة، ومجلس الجهة بالنسبة لرتبة النقابة.
عامة الناس لا تحمل إلا هم العيش وهم الدنيا، وقليل من يدفعه هم الآخرة للتحرر من جاذبية الأرض. وأقل منهم من يحمل هم الأمة، وأقل منهم من يجمع إلى هم الأمة الشوق الدائم للموت في سبيل الله.
حين فضل عمر رضي الله عنه الناس في العطاء بعضهم على بعض، سألوه عن ميزان التفضيل، فقال: «المرء وغناؤه في الإسلام، المرء وسابقته في الإسلام، والمرء وحظه من الله».
ونحتاج لهذا الميزان، فهو من سنة رسول الله ﷺ الذي أمرنا أن نعض بالنواجذ على سنة خلفائه الراشدين.
الشاهد بالقسط القائم لله هو المؤمن القوي الأمين الثابت في رباطه لا يتزعزع عن خط سيره مهما كانت العقبات. هو المجاهد الذي لا ينكشف عن الصف إن هرب الناس، ولا يقعقع له بالشنان. هو المؤمن المسؤول. حوله تتألف الجماعة يشيع فيها بنورانية قلبه معاني الإيمان، وبلطف معشره ولين جانبه المحبة، وبصرامة إرادته وضبطه الثقة. هذا هو النقيب المرشد. هو حجر الزاوية في البناء لا قيام للجماعة بدونه. هو رجل الدعوة والدولة معًا.
نحتاج لجماعة تواجه عقبات الحاضر لتخرق طريقها إلى العزة بالله ورسوله. لكن مهمتها لا تنحصر في هذا، فلا بد لها أن تهيئ المستقبل، مستقبل تحمل مسؤولية دولة، وتغيير ما بالأمة من تخلف حضاري وذلة وتبعية وعجز عن حمل رسالة الله.
كان الإمام البنا رحمه الله يتحدث عن ضرورة صناعة الموت. ونضيف نحن أن هناك صناعة أخرى في نفس المستوى من الضرورة وهي صناعة التاريخ. مصير المؤمن المقبل على الله حقًا لا ينفك عن مصير أمته. هم ما بعد موته لا ينفك عن هم انتصار دين الله واستمراره.
يؤلف جند الله والمتدرجون نحو التأهيل للجندية في أُسَر يسهر عليها نقيب يعين من فوق، على ضوء الشورى في القواعد. وعند قلة المؤمنين تؤلف الأسرة من اثنين وثلاثة حتى يأتي الله بأمره. وفي الأسرة يراقب المؤمن الجديد ويربى وتقدر أهليته حتى يعلن عضوًا. فإذا زادت الأسرة على عشرة أعضاء معترف بعضويتهم أخذ طائفة منهم مع طائفة من العناصر تحت الاختبار ليكونوا أسرة جديدة.
المسجد كان على عهد رسول الله ﷺ وعهد خلفائه الراشدين عرين أسود، ورياض جهاد، ومدرسة جامعة، ومقر قيادة أركان جند الله، ومجلس شوراهم. ذلك أن بيت الله أحق البيوت أن ينطلق منها ويرجع إليها ويتجمع فيها ويتآلف جند الله.
تحت حكم الجبر ينبغي أن يكون تحرير المسجد من الإسلام الرسمي مطلبًا أساسيًا، وقبل قيام الدولة ما أمكن وبعد ذلك بتأكيد لابد أن يكون المسجد مكان اللقاء بالشعب، ومدرسة التربية العامة، ومجالس الإيمان.
من أهم وسائل الدعوة والتربية، خاصة في الأوساط الطلابية، تنظيم اللقاءات للتعريف بالإسلام. وينبغي أن تنوع نشاطات هذه اللقاءات من معارض للكتب الإسلامية ومجالس لتجويد القرآن ومن رياضة وحلقات للنقاش.
من أهم ما يربط المؤمنين أيام وليال أمضوها في فسحات الإيمان والأخوة والتعاون الجاد والمثمر بعيدًا عن ضوضاء الناس. ينفع كثيرًا خاصة المبتدئين من الشباب أن يشاركوا في معسكرات خارج البلد ما أمكن. وعلى كل شعبة أن تعد لوازم المعسكر ووسائل إقامته. وفي فترات غير متباعدة يجلس المؤمنون في رباط يعكفون فيه على ذكر الله ليتجدد الإيمان وتتقوى العزائم.
إننا بحاجة لبناء أمة، والشباب يكونون في مجتمعاتنا المفتونة جيشًا من العاطلين الذين أسيء تعليمهم وتربيتهم. ومتى حصرنا الشباب عن الحركة ولم نهيء لهم مجالًا لصرف نشاطهم خارج جلسات الأسرة انفجروا في حركية عنيفة تضطرب ولا تبني. فلابد للشباب من رياضة وخرجات في المعسكر وسياحة الدعوة.
يعم المؤمنات ما يعم المؤمنين في إطار الشرع. فينظمن أسرهن وجلساتهن ودعوتهن، ويتحملن مسؤوليتهن العظيمة في دعوة وتربية شطر الأمة. ولا يمنع إماء الله من مساجد الله، يحضرن حلقات العلم ومجالس الإيمان ومواسم الخير أينما كانت. بآداب الشرع وضوابطه.
العضو النصير هو القادر على رصد صفوة أوقاته خارج المهنة للدعوة. فوقت يومي لأذكاره وتلاوته وحفظه. ووقت ليلي لتهجده. وثلاث لقاءات ما أمكن في الأسبوع لمجالس أسرته. وساعة في كل يوم لزيارة من يرجو استجابتهم للدعوة. ووقت في الأسبوع للرياضة. ووقت شهري للمعسكر والسياحة.
1- القرآن الكريم: الحفظ والتجويد والتفسير. «التبيان» للنووي. تفاسير: ابن كثير، أحكام القرآن لأبي بكر بن العربي، في ظلال القرآن لسيد قطب.
2- الحديث: البخاري ومسلم وكتب السنن، رياض الصالحين، فتح الباري، الأربعون النووية حدًا أدنى للحفظ.
3- العقيدة: «كبرى اليقينيات الكونية» للبوطي، شرح العقيدة الطحاوية، شرح العقيدة الواسطية.
4- العبادات: «فقه السنة» لسيد سابق، «نيل الأوطار» للشوكاني.
5- السيرة: «فقه السيرة» للبوطي، سيرة ابن هشام مع الروض الأنف للسهيلي، «حياة الصحابة» للكاندهلوي.
6- السنة: «كتاب الأذكار» للنووي، «زاد المعاد» لابن القيم.
7- الرقائق وطب النفوس: «قوت القلوب» لأبي طالب المكي، «الرسالة القشيرية»، «إحياء علوم الدين» للغزالي، «الفتح الرباني» للجيلاني، «بستان العارفين» للنووي.
ولمن يقلد قل: مضى السلف الصالح على اعتبار رجال الرسالة القشيرية نموذجًا لصالحي هذه الأمة. ولا نجد في كتابات محدث فقيه مجتهد كابن تيمية رحمه الله إلا تبجيلًا لهم. وكان ابن تيمية يقرأ «قوت القلوب» المرة بعد الأخرى.
8- فقه الدعوة: رسالة البنا، كتب المودودي، القرضاوي، سعيد حوى، أبي الحسن الندوي.
9- التاريخ: «ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين» للندوي، «رجال الفكر والدعوة».
10- التراجم: «صفة الصفوة» لابن الجوزي، «الإسلام بين العلماء والحكام» للبدري.
11- اللغة العربية: «مفردات ألفاظ القرآن» للراغب الأصفهاني، «النحو الوافي» لعباس حسن.
من إعداد القوة التي أمرنا بها أن يتعلم كل مؤمن لغة أجنبية أو لغات. وأن يقرأ من كتب علم السياسة والأيديولوجية المعاصرة ما به يستطيع أن يخاطب أهل العصر على مستوى تفكيرهم. هذا إلى جانب اختصاصه في العلم إن كان من أهل العلم، وفي المهنة أيًا ما كانت حتى يبرز فيها. هم الأمة لا يحمله الورع القاعد، لكن يحمله وينهض بمقتضياته الأقوياء بالعلم والخبرة الأمناء بخوف الله.
1- يبدأ المؤمن يومه ساعة قبل الفجر يصلي الوتر النبوي إحدى عشرة ركعة. ثم يجلس للاستغفار ليكون من المستغفرين بالأسحار.
2- الجلسة بعد صلاة الصبح إلى الشروق سنة. تلاوة جزء بين صباح ومساء وذكرًا وتعلمًا وحفظًا.
3- صلاة الضحى صلاة الأوابين.
4- السنن الرواتب، وليوتر قبل النوم من لا يقوى على القيام. ووتر السحر أمثل.
5- ثلاث جلسات من ربع ساعة على الأقل لذكر لا إله إلا الله مع حضور القلب.
6- الإكثار من الصلاة على النبي ﷺ (300 مرة على الأقل يوميًا)، وتخصيص ليلة الجمعة ويومها للصلاة عليه.
7- قبل النوم توجه لله، وحاسب نفسك، وجدد التوبة، ونم على ذكر الله.
8- إن كنت طالبًا فابذل الجهد الكافي للمذاكرة. أول واجباتك أن تنجح في دراستك وتتفوق.
9- ساعة لأسرتك الإيمانية أو لزيارة دعوة ودراسة.
وليكن وقتك بمثابة ميزانية تنفق منها، فكن بوقتك شحيحًا أن تصرفه في الغفلة. الوقت الذي تندم عليه ولات ساعة ندم هو وقت لم تذكر فيه الله تعالى باللسان والقلب والجهاد لنصرة دينه.
إن الخلل الذي يحدث في التربية ينتج عنه خلل في التنظيم، ومن ثم فشل الجهاد كله. على قوة الرجال يتوقف نجاح العمل. يجب ألا تكون السمة الغالبة على جند الله زهادة بدعوى الروحانية، ولا إغراقًا في الفكر، ولا تقصيرًا ولا إسرافًا في الحركة.
كان الإمام علي يخاطب جنده في حروب الفتنة يقول: «يا أشباه الرجال ولا رجال!». ذلك أن عامة جنده كان من مسلمة الفتوح، ما نالوا من التربية نصيبًا مما ناله الرجال حق الرجال.
إسلام الزهادة والهروب من المجتمع، والإسلام الفكري، والحركية على حساب التقوى والعلم — ثلاثة مزالق.
التربية الإيمانية عملية على نجاحها يتوقف ميلاد المسلم إلى عالم الإيمان، ثم نشوءه فيه وتمكنه ورجولته، ولا جهاد بلا تربية، ولا يكون التنظيم إسلاميًا إن لم تكن التربية إيمانية.
الشرط الأول في نجاح التربية وجود صحبة وجماعة تتلقى الوارد عليها في رحاب المؤمنين المتواصين بالصبر والمرحمة. الوجه الباش، والكلمة المبشرة المشجعة، أول ما ينبغي أن يدركه الوارد من وجود مرحمة ومحبة في الأسرة التربوية حتى يحب صحبتها والسير معها.
يسمي سيد قطب رحمه الله الجماعة المصحوبة محضنًا، ويسمي «عزلة شعورية» الشعور الجديد عند الوارد حين يلمس الرحمة مع المؤمنين فيكره ماضيه ويقبل على إخوته الجدد.
ولا تنجح التربية إن كان النقيب المشرف عليها مجردًا عن عاطفة المرحمة أو لم يكن قدوة في تقواه وسلوكه، صحبته لا تنفع إذًا.
عندما تكون الصحبة صالحة، ويقبل الكل على ذكر الكلمة الطيبة النورانية حتى يخرجوا عن الغفلة، ينشأ جو إيماني مشع، ينشأ في الجماعة فيض إلهي، رحمة، نور تستمد منه القلوب بعضها ببعض. النبع لا إله إلا الله، والفيض نورها.
وسنرى أن تحت خصلة الذكر في تصنيفها اثنتا عشرة شعبة من شعب الإيمان، أهمها الصلاة، وأعلاها قول لا إله إلا الله وقلبها القرآن تلاوة ومحبة وعملًا. رجال ذاكرون رجال مجاهدون، قوم غافلون قوم قاعدون.
المهمة المندوب إليها حزب الله مهمة شاقة، إنها مهمة بناء أمة، مهمة استثنائية، فنريد رجالًا من نوع جيد، لهم استعداد جيد، ليصبحوا جنودًا. أعني بكلمة صدق استعداد الوارد ليتحلى بشعب الإيمان، ويندمج في الجماعة ويكون له من قوة الإرادة وطول النفس ما يمكنه من إنجاز المهمات حتى النهاية.
لا فائدة من ضرب الحديد البارد، ولا فائدة من محاولة تربية من ليس له استعداد. وهنا يطرح سؤال: هل التنظيم الإسلامي تنظيم نخبوي أو جماهيري؟
نجيب أن جماعة المسلمين لا تتكون إلا من المهاجرين والأنصار كما كانت على عهد رسول الله ﷺ، ومن عداهم يسمون في القرآن أعرابًا فلا يخاطب بالجهاد إلا من هاجر ونصر.
والجماعة بقوة تماسكها، تستطيع أن تستقطب عطف الشepartmentب، وتستدعي سنده ودعمه، بل واجبها أن تعلم الشعب وتربيه وتعبئه. ولا تملك أن تفعل إن كان صفها ضعيفًا.
صحبة وجماعة + ذكر + صدق، هذه معادلة التربية الإسلامية في خطوطها الرئيسية، شرط في المربي وبيئة التربية، وشرط في تجديد الإيمان، وشرط في المربى وقابليته للجندية، وسائر الخصال العشر مع ما تضمه من شعب الإيمان تكمل الشروط وتجلو الصورة إن شاء الله تعالى.