افتتح الإمام كتابه بتمهيد قصير لكن عميق — يضع فيه منهج العمل قبل أن يضع محتوى المنهاج. تشخيص للمؤامرة الفكرية على الحركة الإسلامية، وإعلان جريء لمنهج العلنية، وتحديد دقيق لشروط تطبيق المخطط الإسلامي. هذه الخطاطة تفكّك التمهيد خطوةً بخطوة.
قبل فهم منهج الإمام، يجب التمييز بين موقفين متناقضين كلاهما يدعي خدمة الإسلام، لكنهما يفترقان في طريقة التعامل مع الواقع:
هو الانسحاب الفكري والحركي إلى الهامش. تتحول الحركة الإسلامية إلى جماعة سرية، تخاف الإفصاح عن أساليبها، فيضمر الفكر في غلس التخفي وينحرف العمل في «الضالات الحركية». هو ما يريده الأعداء بالحركة الإسلامية لكي تتآكل من الداخل دون الحاجة لمواجهة مباشرة.
هي الإعلان المسؤول عن المنهج الكامل: تربيةً وتنظيمًا وأهدافًا. ليست فقط نشرًا للأفكار، بل التزام علني أمام الأمة بمشروع واضح، يستطيع أي مؤمن فهمه ومحاسبة دعاته عليه. هي التميز عن الجاهلية بطريقة العمل لا فقط بمحتواه.
كثيرون يظنون أن السرية «حماية» للحركة و«ذكاء» في التعامل مع البطش. الإمام يقلب المعادلة: السرية ليست حماية، بل خنق ذاتي. فحين تخاف الحركة الإفصاح عن أساليبها، يضمر فكرها لأنه لا يلقى تمحيصًا، وينحرف عملها لأنه لا يلقى محاسبة. الانكفاء يُنجز للعدو ما لا يستطيع إنجازه بمؤامراته.
المسلمون اليوم يعيشون فجوة مؤلمة: عندهم الحق، لكن ليس عندهم الفعل. الكتاب والسنة بين أيديهم، ومع ذلك يسود الواقع نظام جاهلي. السؤال الذي يطرحه التمهيد:
السؤال ليس «ماذا نفعل؟» — كل أحد يجيب على هذا. السؤال هو: كيف نفعل بطريقة مختلفة جذريًا عن طرق الجاهلية؟ فإن قلّدنا منهج الأحزاب الجاهلية في السرية والتآمر، لم نعد إسلاميين في طريقتنا حتى لو ادعينا الإسلام شعارًا. المنهج جزء من المحتوى، والوسائل تشترك في حكم الغايات.
أمام تحدي الواقع، تنقسم الحركات الإسلامية تاريخيًا إلى ثلاثة مواقف. الإمام يستعرضها ضمنيًا ويختار الثالث:
قياسٌ على الحركات الثورية والأحزاب الشيوعية: «العمل السري ينجح حين يُفقد العدو أدواته». التنظيم الحديدي يعوّض القلة العددية.
قياسٌ على المرحلة المكية: «إذا اشتد الأذى تأخر الكلام». الحفاظ على الأرواح والمؤسسات أولى من المواجهة الكلامية.
قياسٌ على المرحلة المدنية: «حين تكون الكلمة محتاجة، يصدع بها بصرف النظر عن الكلفة». الصف الأول يذهب فيخلفه الثاني، والخطة تبقى لأنها مكتوبة معلنة.
حجة الإمام ليست رأيًا انفعاليًا، بل سلسلة استدلالية محكمة من ست حلقات. كل حلقة تستلزم التي بعدها:
تخيّل حركة إسلامية سرية فيها مخالفات: استخدام أموال بطرق ملتبسة، تبني فتاوى شاذة، اتخاذ قرارات بمعزل عن الأمة. كيف يُكتشف ذلك ويُصلَح؟
في النموذج العلني للإمام: المنهج منشور، الأهداف معلنة، الأموال موثقة. أي انحراف يكشفه العلماء والمؤمنون فورًا. الشفافية ضمانة شرعية، لا ترفًا تنظيميًا. ولهذا قال: «إنما ذل المسلمون من غياب هذه الكلمة».
أنظمة الجبر تتهم أي حركة إسلامية بـ«الإرهاب والتآمر». الحركات السرية تُعطي لهذه التهمة غطاءً موضوعيًا: فعلًا هم يجتمعون سرًا، فعلًا برامجهم غامضة. الناس البسطاء يصدّقون التهمة لأنهم لا يجدون ما يكذّبها.
الحركة المعلنة المنهج المنشور البرامج، المعروف قادتها ومجلسها، تجعل تهمة الإرهاب فضيحة لمن يطلقها. لا يمكن اتهام من يكتب على الملأ منذ سنين. ولهذا قال الإمام: «الذي يكتب في التنظيم الإسلامي... ليس من الغباء بحيث ينظم تنظيمًا سريًا».
تخيّل حاكمًا أدرك خطأه وأراد المصالحة مع شعبه. ما الذي يضمن جدية مصالحته؟ كلام شفهي؟ وعود؟ بيانات؟ كل ذلك يمكن سحبه.
الإمام يقترح ميثاقًا يعقد فيه الحاكم مع الله ومع المؤمنين الرجوع إلى الحكم بما أنزل الله. ميثاق يتلوه فترة انتقالية بحرية كاملة، فبناء كيان إسلامي، فدستور إسلامي، فحكومة إسلامية. التعاقد المكتوب الموثق هو الضمانة، لا الكلام والوعود.
منهج الإمام يتميز عن ثلاثة تيارات إسلامية معاصرة. هذه المقارنة توضح الفارق:
التيار الأول يحرم الفعل الجماعي بحجة «اتقاء الفتنة». التيار الثاني يحرف الفعل الجماعي إلى انقلاب جاهلي بثوب إسلامي. الإمام يفتح طريقًا ثالثًا: العمل العلني المنظم في وسط الأمة، يربي ويصبر، حتى تتألف الموجة الإسلامية العارمة على منهاج النبوة.
المؤامرة على الحركة الإسلامية ليست في القضاء على أفرادها، بل في دفعها إلى الانكفاء السري حيث يضمر فكرها وينحرف عملها.
الكلمة الصريحة المسؤولة هي السلاح المضاد. ننشر المنهج، ونعلن البرنامج، ونقبل تبعات العلنية.
تربية إيمانية + تنظيم كتائبي. كلتاهما تحتاج علمًا منشورًا متاحًا للأمة كلها، لا حكرًا على نخبة سرية.
إما حكام منطقيون مع شعارات الحرية فيقبلون حركة معترفًا بها. وإما ميثاق تعاقدي مكتوب يعلن مصالحة الحاكم مع الله ومع شعبه.
رفض السكوت لأنه يدع الأعداء يفسرون موقفنا كيف شاؤوا. ورفض الخوف من تبعات الكلمة لأن «الذل من غياب هذه الكلمة».
هذا الكتاب لمن يلتاع قلبه لضياع القضية الإسلامية ويأنس من نفسه استعدادًا لبنائها. «ومن لا لوعة له على الإسلام ولا عزم له على جهاد فلا كلام معه».
التمهيد ليس مقدمة شكلية، بل إعلان منهجي. الإمام لا يكتب «خفية» كما يفعل الانقلابيون، ولا «صامتًا» كما يفعل المنعزلون، بل يكتب كلمة صريحة موثقة تتحمل المراجعة والمحاسبة. هذا الموقف وحده هو الذي يميّز المنهاج النبوي عن سائر المناهج الجاهلية مهما اشتركت معه في الشعار.
ودّ أعداء الإسلام والكائدون له من بني جلدتنا أن ينكفئ الإسلاميون من ميادين الفكر المتفاعل في ميدان الصراع الثقافي إلى منظومات أفكار مبرمجة متوقفة عن النمو. ذلك الانكفاء الفكري يضمن استمرار الحركة الإسلامية في هامشية الحركية السرية التي يريد أعداؤنا أن نخوض في غلسها.
ونحن أحوج ما نكون ليعرف كل مؤمن منا معايير التربية الإيمانية وطرائق تجديد الإيمان في القلب حتى يستيقظ الحافز الجهادي في النفوس ويستنير العقل المؤمن بنور العلم الذي به ندبر الجهاد. وبعد تربية جيل الإيمان والجهاد نحتاج إلى علم تنظيم جند الله في كتائب يسمو نظامها بتماسكه وقوته إلى مستوى الإرادة الجهادية و�إلى مستوى المهمات الجسام التي تتحدى الإسلام والمسلمين في مستقبل قوى العدوان على الإسلام ستزداد فيه تنظيمًا.
فهل نكتم أساليبنا في التربية والتنظيم مخافة أن يطلع عليها الأعداء فيكون الانكفاء الذي يريدونه لنا؟ يضمر الفكر في غلس التخفي فينحرف العمل في الضالات الحركية. أنكون أقل ذكاء وجرأة على الأمور من طوائف المذاهب المقاتلة للإسلام التي تخطط وتفكر وتنشر على أوسع نطاق ليعلم كل عضو في تنظيماتهم مهمته بالضبط؟
أما نحن فننشر مساهمتنا في علمي التربية الإسلامية والتنظيم لما نعلم يقينًا أن قبول عملية التهميش التي تفرض علينا تخنق العمل الإسلامي من حيث لا تستطيع المؤامرات خنقه. والله من ورائهم محيط.
مخطط التربية والتنظيم الذي نقدمه لا يمكن تطبيقه إلا في إحدى حالتين:
الأولى: إن أصبح الحكام منطقيين مع مبادئهم المعلنة عن إعطاء الحريات العامة فيقبلوا وجود حركة إسلامية علنية معترف بها إلى جانب الحركات والأحزاب السياسية الأخرى. وأقل ما يطلب من حكام المسلمين أن يعترفوا بحق الشعب المسلم في ممارسة إسلامه دون وصاية الحكومة.
الثانية: إن أدرك الحكام خطأهم في اضطهاد الإسلاميين وعقدوا نية صالحة لدعم الحركة الإسلامية، ليتصالحوا مع الله ومع الشعب المسلم، وبرهنوا عنها بميثاق يصوت عليه الشعب يعقدون فيه مع الله ومع المؤمنين الرجوع إلى الحكم بما أنزل الله بعد فترة انتقالية يعطون فيها المؤمنين كامل الحرية وكامل الدعم لبناء كيان إسلامي سياسي تتهيأ به انتخابات إسلامية ودستور إسلامي وحكومة إسلامية.
ما ينبغي لنا أن نسكت ويغتنم الأعداء سكوتنا ليتهمونا بالغموض والتخلف الفكري وينسبوا لنا ما شاءوا من تهم الإرهاب والتآمر. وما ينبغي لنا أن نخاف من تبعات الكلمة الصريحة المسؤولة فإنما ذل المسلمون من غياب هذه الكلمة.
بديهي أن الذي يكتب في التنظيم الإسلامي في وقت تتآمر فيه قوى الشر على المؤمنين ليس من الغباء بحيث ينظم تنظيمًا سريًا. فإن أوذي على الكلمة الحرة فستبقى الخطة وسينظم ويربي آخرون، وسيذهب الصف الأول والثاني. لكن النصر للمؤمنين موعود ولو كره الكافرون. نطالب بحقنا بموقع أقدام تحت الشمس. ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يفقهون.
من كان من إخوتنا وأخواتنا يلتاع لضياع القضية الإسلامية ويتشوف لقيام حركة إسلامية منظمة ويأنس من نفسه الاستعداد والرغبة ليبني مستقبل الإسلام فسيفهمنا ويؤيدنا ويتأمل عرض تصورنا لمنهاج العمل. فبدون تصور واضح لمنطلق الحركة وسيرها وأهدافها ومراحلها لن نستطيع بناء.
ومن لا لوعة له على الإسلام ولا عزم له على جهاد فلا كلام معه.
فاتح شعبان 1401هـ