المقدمة الأولى تأسيسية: تجيب عن السؤال «ما هو المنهاج الذي يدّعي الكتاب أنه نبوي؟». الإمام يبدأ بآية المائدة، ويميّز «الشرعة» عن «المنهاج»، ثم يكشف عن الفجوة بين امتلاك المسلمين للحق وانفصالهم عن العمل به، فيقدم حديث المراحل الخمس خارطةً تاريخية يحدد فيها موقعنا الراهن من الموعود.
الإمام ينطلق من قول الله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: 48]. القرآن جمع المصطلحين، وابن عباس رضي الله عنهما فرّق بينهما تفريقًا دقيقًا:
هي ما ورد به القرآن — مجموع الأحكام والمبادئ المنزلة. الشرعة هي الحق المنصوص الذي لا يتغير ولا يخضع للاجتهاد في أصوله. هي «الماذا» في الإسلام: ماذا أمر الله به وماذا نهى عنه.
هو ما وردت به السنة — طريقة تطبيق الشرعة في واقع الحياة. المنهاج هو الكيف: كيف نترجم الأمر إلى عمل، كيف نطبق المبدأ في الظرف، كيف نحوّل الكتاب من تلاوة إلى حركة. وهو في اللغة بمعنى الطريق الواسع الواضح.
كلمة «منهجية» المعاصرة تعني فقط تنظيم أفكار وطرائق علمية — أي وساطة بين النص والواقع. لكن كلمة «منهاج» القرآنية أعمق: لا تربط فقط بين الكتاب والحياة كجسر علمي، بل تتضمن التمسك الصارم بأمر الله والاتباع لسنة رسوله ﷺ في كل مجالات السلوك: النفسي والخلقي، العبادي والاجتماعي، السياسي والاقتصادي. المنهاج موقف وجودي شامل، لا منهج فكري فقط.
المسلمون يحملون كتاب الله ويحبون سنة رسوله ﷺ. ومع ذلك، الواقع جاهلي والأمة مغلوبة. الإمام يطرح السؤال المؤلم:
المشكلة ليست في الشرعة (موجودة)، ولا في الحب لها (موجود)، ولا في حفظها (محفوظة). المشكلة في غياب المنهاج الذي يحوّل الحب إلى سلوك، والمعرفة إلى حركة، والآية إلى عمل. عند المسلمين «ماذا» الكامل، وينقصهم «كيف» الفاعل. التمهيد كان عن طريقة العمل؛ هذه المقدمة عن منهاج العمل ذاته.
الإمام يقدم تحديدًا دقيقًا لما يفعله المنهاج: ليس له غاية واحدة، بل غايتان لا تنفصلان. وكل من فصل بينهما اختزل الإسلام:
هذه الغاية تخص كل فرد بمعزل عن مصير الجماعة. حتى لو لم تقم الخلافة، تبقى للعبد طريقه إلى ربه. وهي السباق إلى المغفرة والجنة والرضا والوجه.
هذه الغاية تخص الأمة كلها ولا يقوم بها فرد. وهي شرط ضروري ليسمع الإنسان كلمة الإسلام، ويقبل اقتراحه، ويجني ثمرته. بدونها يبقى الإسلام محصورًا.
ليستا غايتين متوازيتين منفصلتين. الإمام يضع ترتيبًا بينهما: الإحسانية هي الغاية الحقيقية والثمرة الموجهة لكل فرد. والاستخلافية شرط ضروري ليسمع الإنسان تلك الكلمة. الخلافة وسيلة لا غاية في ذاتها؛ هي ظرف أمن وحضارة يتيح للناس أن يعرفوا ربهم. هذا التمييز يحمي المنهاج من الانحراف إلى مشروع سياسي خالص.
روى الإمام أحمد بسند صحيح حديثًا فريدًا يحدد فيه النبي ﷺ التتابع التاريخي للأمة في خمس مراحل. الإمام ياسين يعتمد هذا الحديث خارطةً يحدد فيها أين نحن، وإلى أين نسير:
المرحلة المؤسِّسة. النبي ﷺ بين أصحابه. ثم رفعها الله إذا شاء أن يرفعها بوفاته ﷺ.
عهد الخلفاء الراشدين. ثلاثون سنة على منهاج النبوة (أبو بكر، عمر، عثمان، علي رضي الله عنهم). ثم رفعها الله.
الحكم بالوراثة وبيعة الإكراه — يعض على الأمة كما يعض البعير على الحبل. تشخيص الإمام: مضى وولّى.
الحكم الدكتاتوري بلسان العصر. أفظع من العاض لأنه أفرغ أجهزة الحكم والإعلام والتعليم والقوانين من كل معاني الإسلام، وإن لاح بشعاراته أحيانًا.
المرحلة المنتظرة. ثم سكت ﷺ — لأنها الذروة والاستقرار. هذه هي الغاية الاستخلافية الجماعية.
الإمام لا يقرأ الحديث كنبوءة غيبية يُنتظر تحققها، بل كـخارطة استراتيجية: المرحلة الرابعة (الجبرية) تنتهي بالضرورة، والمرحلة الخامسة (الخلافة الموعودة) لا تحدث صدفةً، بل يُعدّ لها. الكتاب كله مكرس لبيان كيف نهيّء أنفسنا والأمة للانتقال من الرابعة إلى الخامسة. الحديث يعطي اليقين، والمنهاج يعطي الطريق.
من تشخيص الواقع (المرحلة الجبرية) إلى الموعود (المرحلة الخامسة)، كيف ننتقل؟ الإمام يرسم سلسلة استدلالية:
مفهوم «المنهاج النبوي» عند الإمام يتميز عن مفاهيم متشابهة لها في الفكر الإسلامي المعاصر. هذه المقارنة توضح الفروق الدقيقة:
لو اقتصرنا على «نموذج» النبي ﷺ، لكنّا أمام إعجاب رومانسي بالماضي. الإمام يصرّ على «منهاج» لأنه طريق سلوك حي اليوم — يأخذ من النبوة ما يصلح للعصر، ويعيد صياغة المعركة بنفس الروح لا بنفس التفاصيل. النبوة لا تتكرر، لكن منهاجها قابل للسلوك. هذا الفرق بين الذكرى والاتباع.
الشرعة (ما ورد به القرآن) والمنهاج (ما وردت به السنة). الأولى أحكام، الثاني طريق تطبيقها. الجمع بينهما هو الإسلام.
عند المسلمين الشرعة كاملة، ينقصهم المنهاج الفاعل. القرآن يُتلى لا يترجم، والسنة تُحب لا تُسلك. الفجوة بين العلم والعمل هي مشكلة العصر.
المنهاج طريق واحد بغايتين: إحسانية فردية (مصير العبد عند ربه) واستخلافية جماعية (نهضة الأمة وحاكمية الله). الفصل بينهما اختزال للإسلام.
حديث المراحل الخمس يضعنا في الرابعة (الجبري) ويعدنا بالخامسة (الخلافة على منهاج النبوة). الموعود ثابت، والإعداد له واجب.
تربية جيل + تنظيم صف. لا حلم بالماضي، ولا قعود مع الأماني، بل تهييء أجيال صالحة لخلافة الله ورسوله في الأرض.
منهاج الإمام يتجاوز التراثية الفقهية والتحديثية الإدارية إلى منهاج جامع يصل العبادة بالسياسة والتربية بالتنظيم.
المنهاج النبوي ليس طريقة تفكير فحسب، ولا أسلوب قيادة فحسب، ولا نظامًا فقهيًا فحسب. هو طريقة الوجود الإسلامي ذاته: تمسك صارم بالكتاب، اتباع لسنة الرسول ﷺ، في كل مجالات السلوك — الفردية والجماعية، النفسية والسياسية، الخاصة والعامة. منهاج بمعنى طريق — يسلكه العبد إلى ربه، وتسلكه الأمة إلى عزتها.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: «الشرعة ما ورد به القرآن، والمنهاج ما وردت به السنة». أنزل الله الكتاب بالحق وبلسان عربي مبين. والشرع والشريعة والمنهاج في لغة العرب بمعنى الطريق. وبين أيدي المسلمين وفي صدورهم آيات الله يتلونها ثم لا تترجم أعمالًا. بين أيديهم سنة رسول الله ﷺ يحبونها ويقرأونها ويعجبون ويحنون، لكن لا يسلكون كما سلك ﷺ وصحبه مسلك الجهاد الذي سما بهم إلى ذرى الإيمان والإحسان تربية ورفعهم إلى الخلافة في الأرض تنظيمًا ودولة.
المسلمون بحاجة اليوم لاكتشاف المنهاج النبوي كي يسلكوا طريق الإيمان والجهاد إلى الغاية الإحسانية التي تعني مصيرهم الفردي عند الله في دار الآخرة، و�إلى الغاية الاستخلافية التي ندبوا إليها ووعدوا بها متى سلكوا على المنهاج واستكملوا الشروط.
إنه طريق واحد يسمو به العبد إلى الوقوف، بل السجود، بين يدي ربه متذللًا مطيعًا باذلًا ماله ونفسه في الله، وتسمو به الأمة من كبوتها، واستعباد الأعداء لها في الأرض، وذلتها في نفسها، وتخلفها الحضاري والاقتصادي والعسكري، إلى حيث تنال شرف وراثة من خاطبه الله في هذه الآية من سورة المائدة بأن يحقق هيمنة القرآن على كل فكر، وأمر الله على كل أمر، وحاكمية الله على كل حاكمية.
ما هو منهاج المسلمين؟ ما هو طريقهم على معارج الكتاب والسنة، لكي لا يبقى التعبد القابع في مساجد الركود منفصلًا عن الحياة العامة للأمة، ولكي يكون الإقبال على الله عز وجل هو نفس الجهاد ولب الجهاد، لتكون كلمة الله هي العليا في الأرض؟
هذا كتاب الله بين أيدينا وسنة رسوله ﷺ متألقة في الصحائف وفي ضمائرنا، وفيهما الحق كله. فكيف نفعل لنترجم الكتاب والسنة برنامجًا عمليًا يحيي العبد بالإيمان ويحيي الأمة المخاطبة في القرآن بـ«يا أيها الذين آمنوا» حتى تلبي هذا الخطاب، وتنفذ ما يأتي بعده في آيات الله من أوامر إلهية تريد منا الطاعة لله والاتباع لرسوله لا الانهزام أمام الطاغوت، تعدنا إن أطعنا الله واتبعنا رسوله أن نكون أئمة الأرض؟
كلمة «منهجية» التي تترجم معنى أجنبيًا تفيد تنظيم أفكار موجهة وطرائق عملية لاستنباط فكري أو تحليل علمي أو تطبيق في حياة الناس. ونفضل كلمة «منهاج» القرآنية النبوية لندل بها لا على وساطة المنهاج من حيث كونه جسرًا علميًا بين الحق في كتاب الله وسنة رسوله وبين حياة المسلمين فقط، بل لنربط به معاني التمسك الصارم بأمر الله في كتابه، ومعاني الاتباع لسنة رسوله ﷺ في السلوك الفردي والجماعي، الخاص والعام، النفسي والخلقي واليومي، العبادي والاجتماعي، السياسي والاقتصادي، الرباني في كلمة واحدة.
ولا يعني هذا أن نربي وننظم جماعة تنظر إلى ماضينا المجيد تحت راية محمد ﷺ وخلفائه المهديين الراشدين وتقعد مع الأحلام، بل يعني تهييء جيل وأجيال من بعده صالحة لخلافة الله ورسوله في الأرض على نسق التربية والجهاد النبويين، ولهدف إعادة الخلافة على منهاج النبوة بعد الحكم العاض والجبري اللذين داما قرونًا طويلة.
نجد كلمة منهاج مقترنة في موعود رسول الله ﷺ وبشارته لنا بكلمة نبوة. فهو منهاج نبوة، وهو المنهاج النبوي، منهاج تربية وتنظيم جهادي، تعرضًا واستعدادًا لإقامة الخلافة الإسلامية التي يرضى الله عز وجل عن كل منا إن بذل قصارى جهده لإقامتها على المنهاج الواضح والنموذج المنير.
الملك العاض الذي يعض على الأمة بالوراثة وبيعة الإكراه مضى وولّى. والمسلمون اليوم تحت القهر الجبري أي الدكتاتوري بلسان العصر، ولهو أفظع من العاض، لأن الجبر إن كان يلوح بشعارات الدين كما كان يفعل الملك العاض فقد أفرغ أجهزة الحكم والإعلام والتعليم وأفرغ قوانين الحكم من كل معاني الإسلام.
وإن هذه الأمة المغلوبة على أمرها بحاجة لمن يربي وينظم جيلًا يحرر الأمة من ربقة الجبر الملحد أو المستتر تحت شعارات الإسلام، ويقيم للأمة دولة الخلافة الموعود بها عمومًا في آيات استخلاف المؤمنين المستضعفين في القرآن، المنصوص عليها في سياق تاريخي في هذا الحديث النبوي المشرق الذي نضعه بين أعيننا رجاء يقينيًا، ونورًا هاديًا، ونداء غيبيًا وتاريخيًا.