المقدمة الثانية تشخيصية: تكشف عن المرض النفسي والحركي الذي يمنع الأمة من النهوض رغم خيراتها الكامنة. لماذا يحكمنا أعداء أضعف منا في القيم؟ لماذا تتبدد جهود الأمة في فوضى ردود الفعل؟ ولماذا يصبح «الوهن» — حب الدنيا وكراهية الموت — السبب الجذري لكل هزيمة؟
عنوان المقدمة يضع تقابلًا حادًا بين موقفين يظنهما الناس متشابهين، لكنهما عند الإمام نقيضان:
هي الانفعال العاطفي بقضية الإسلام دون عمل. التذكير بالماضي المجيد، البكاء على الأطلال، التسلية بأحلام النصر، إصدار البيانات والمؤتمرات. كل ذلك بحلو الكلام لكن دون تربية ولا تنظيم. تخدير ذاتي يُسكت ضمير الأمة دون أن يحرك شيئًا.
هو البذل المنظم في سبيل الله: تربية تخرج المؤمنين من الوهن، وتنظيم يجمعهم في صف، ومسير ثابت نحو هدف واضح. الجهاد عند الإمام أوسع من القتال — هو كل عمل جدي مكلِّف لإقامة دين الله، يبدأ بالنفس وينتهي بالأمة.
الأماني لا تكلف صاحبها شيئًا؛ كلام لطيف وعواطف منفعلة. الجهاد يكلف الوقت والمال والنفس وراحة البال. ولهذا تجد ألوف الناطقين بالأماني وقليل المتجشمين للجهاد. الإمام يقول صراحة: «ما عادت تنفع ولا تجوز التسلية سبحًا في الأماني المعسولة». الانتقال من الأماني إلى الجهاد هو الانتقال من الكلام إلى الفعل، ومن الانفعال إلى الإرادة.
مفارقة مؤلمة يطرحها الإمام: في الأمة خير عظيم — غضب على الجاهلية، جيل أُشرب قلبه محبة الله ورسوله، طاقات هائلة. ومع ذلك، الواقع هزيمة بعد هزيمة. السؤال:
الإمام يرفض التفسيرات السطحية: «المؤامرة» وحدها لا تفسر، فالمؤامرة موجودة في كل عصر. «ضعف الإمكانات» لا يفسر، فأمة بألف مليون ليست ضعيفة. الخلل في الداخل لا في الخارج: في النفوس قبل الأعداء، في غياب التربية قبل قوة المؤامرة. ومن لم يشخص الداء لن يصف الدواء.
الإمام يفكك المشهد إلى ثلاث صور متقابلة. كل صورة تكشف عن جانب من المعادلة:
«انضباط بخط فكري يلتزمون به، وتنظيم مصلحي أو حديدي إيديولوجي يجمع قوامهم في قبضة ضاربة».
«الوهن — وهو خوف الموت وحب الحياة الدنيا — احتل أنفسنا في غياب التربية الإيمانية، والصف المرصوص... انفرط وتشتت».
الحرب الحديثة لا تكسبها العقائد بمفردها. تكسبها العقائد المتجسدة في صفوف منظمة وقيادات متعلمة وحركات مدروسة.
الإمام يبني تشخيصه على حديث «الوهن» الشهير. هذه السلسلة تبيّن كيف يتحول «حب الدنيا وكراهية الموت» إلى سبب جذري لكل الهزائم الفرعية:
تخيل احتجاجًا شعبيًا غاضبًا على مظلمة. الناس ينزلون للشوارع بحماس، يكسرون ويحرقون، ثم يعودون إلى بيوتهم بعد أيام دون نتيجة سياسية. تتكرر هذه «الانتفاضات» كل بضع سنوات — ولا يتغير شيء.
الإمام يجيب: «ذلك الغضب بحاجة لتوجيه حتى لا ينصرف في انتفاضات عقيمة». الغضب طاقة خام؛ بدون تربية تحوّله إلى صبر وعلم، وبدون تنظيم يحوّله إلى مسير، يبقى الغضب انفجارًا متكررًا يستفيد منه العدو لإعادة ترتيب صفوفه. الانفعال يهدر الطاقة، الإرادة المنظمة تستثمرها.
مؤتمر إسلامي ضخم. مئات العلماء والدعاة. أيام من الكلام عن «استرداد القدس» و«مواجهة العدوان» و«وحدة الأمة». بيان ختامي. ينتهي المؤتمر، يعود الجميع، ولا يحدث شيء على الأرض.
هذه هي «الأماني المعسولة» التي حذر منها الإمام: «ما عادت تنفع ولا تجوز». الكلام بدون تربية الإيمان وتنظيم الإرادة يصبح تخديرًا جماعيًا. الناس يخرجون من المؤتمر مرتاحين لأنهم «فعلوا شيئًا» — وقد أفرغوا غضبهم في كلمات. الكلام البديل عن الفعل أخطر من الصمت.
داعية إسلامي معروف، علمه واسع وكلامه بليغ. لكنه حين يأتي وقت المواجهة الجادة — لا التهور، بل الموقف الذي قد يكلف منصبه أو ماله أو حريته — يتراجع ويبرر بـ«الحكمة» و«المرحلية».
الإمام يكشف الجواب: الوهن. الوهن قد يصيب أعلم الناس وأبلغهم؛ لأن العلم في العقل والوهن في القلب. ولهذا أصرّ الإمام أن التربية الإيمانية شرط لكل عمل: الإسلامي بدون تربية يبقى داعية حسنًا في زمن الرخاء، ضعيفًا في زمن الامتحان. التربية تصنع الرجل، لا الموقف يصنعه.
بعد التشخيص، الإمام يقدم العلاج. لا تفصيلات، بل ثلاثة أركان لا ينفع واحد منها بدون الآخرين:
الإمام يضع التربية قبل التنظيم لسبب جوهري: التنظيم بدون تربية يصنع حركة جاهلية بشعار إسلامي. الأحزاب الشيوعية كانت أحسن تنظيمًا من معظم الحركات الإسلامية، ومع ذلك سقطت. لأن التنظيم بدون إيمان قبضة ضاربة بلا روح، سرعان ما يفسدها صراع المصالح. التربية تصنع الجند، التنظيم يصنع الجيش، والترتيب لا ينعكس.
هزيمة الأمة ليست في قلة العدد ولا غياب القيم، بل في «الوهن»: حب الدنيا وكراهية الموت، وما يتفرع عنه من تفتت الصف وفوضى ردود الأفعال.
أعداؤنا حطام بشري في القيم، لكنهم منضبطون منظمون. قوتهم في الانضباط لا في الأخلاق. ومثلهم في عدم الأخلاق ومثل قوتهم في الانضباط = أقوى منا اليوم.
«ما عادت تنفع ولا تجوز التسلية في الأماني المعسولة، ولا الكلمات المرة كلمات الشكوى القاعدة». الكلام بديل عن الفعل = تخدير جماعي.
في الأمة خير: غضب مكبوت، جيل أُشرب محبة الله، طاقات هائلة. لكن الخير الكامن لا يصبح فعلًا إلا بالتوجيه والرعاية والتنظيم.
وضوح الخط + تربية الإيمان + تنظيم الإرادة. ثلاثية مترابطة، إذا غاب ركن واحد سقط البناء كله.
«صف متراص من المؤمنين يتوسطون الشعب، ويقيمون صلبه، يتغلغلون في بيئاته، شاهدين، حاضرين، ثابتين». ليست نخبة معزولة، بل شعب متغلغل واع.
المعركة الكبرى ليست بيننا وبين العدو الخارجي، بل بيننا وبين الوهن في أنفسنا. ما لم يسقط الوهن في القلب، لن تسقط الجاهلية في الواقع. كل هزيمة خارجية صدى لهزيمة داخلية، وكل نصر خارجي ثمرة انتصار داخلي. تربية الإيمان أولًا، ثم تنظيم الصف، ثم الوضوح في خط الجهاد: هذا هو الترتيب الذي لا ينعكس.
عاشت هذه الأمة زمانًا طويلًا تحت وطأة الفتنة الداخلية ووطأة العدوان الصليبي الاستعماري، وتعيش اليوم تحت كابوس التآمر الصهيوني العالمي فما عادت تنفع ولا تجوز التسلية سبحًا في الأماني المعسولة، ولا عادت تنفع الكلمات المرة كلمات الشكوى القاعدة.
جهود الأمة مبعثرة، والعدو الذي يعزم أن يسكت صوت الإسلام، ويضلل جهاد المسلمين، ويحتوي حركتهم، منظم معبأ متضامن مع قادة الفتنة فينا. فنحتاج لوضوح خط الجهاد الذي ينتظرنا، ونحتاج لتربية الإيمان وتنظيم الإرادة الإيمانية في الأمة. نحتاج إلى قيادات مؤمنة وعلم تربوي، وحكمة تنظيمية، لكي لا تذهب جهودنا في فوضى ردود الفعل الموقوتة الانفجارية أمام تحرك الأعداء.
في الأمة خير، فيها غضب على حكم الجاهلية مكبوت، أنبت الله بين ظهرانيها جيلًا أشرب قلبه محبة الله ورسوله، فيها طاقات هائلة. ذلك الغضب بحاجة لتوجيه حتى لا ينصرف في انتفاضات عقيمة، ذلك النبات الرباني بحاجة إلى رعاية وتربية حتى يشتد ويؤتي ثمرته، تلك الطاقات بحاجة إلى تنظيم قوي يهدم الباطل ويؤسس دولة الحق ويبنيها.
إن أعداءنا ما هم إلا حطام بشري من حيث العقيدة والفكر والخلق والرجولة، لكنهم يحكموننا لما لهم من انضباط بخط فكري يلتزمون به، وتنظيم مصلحي أو حديدي إيديولوجي يجمع قوامهم في قبضة ضاربة تعيث فسادًا في قيم الأمة المعنوية والمادية.
وإنما صرنا غثاء السيل لا نملك من أمرنا شيئًا لأن الوهن، وهو خوف الموت وحب الحياة الدنيا، احتل أنفسنا في غياب التربية الإيمانية، ولأن الصف المرصوص الذي يحب الله عز وجل أن نقاتل وسطه في سبيله انفرط وتشتت لفرقة الخلاف، ونفرة القلوب، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، وكل ذي رئاسة برئاسته.
الأمة فيها خير، لكنها ضحية للتضليل والتهييج الحكوميين والحزبيين، وحملات التشكيك في الإسلام ودعاته عاتية. فلكي ننازع دعاة الجبر والتضليل القائمين على أبواب جهنم كما جاء في الحديث لا بد لنا من دعوة واضحة تنير الطريق أمام الأمة، ولا بد من تربية وتنظيم صف متراص من المؤمنين يتوسطون الشعب، ويقيمون صلبه، يتغلغلون في بيئاته، شاهدين، حاضرين، ثابتين على خطى هادفة، يأتم الشعب المسلم بها، ويتبعها، ويساندها، ويستلهم من رسوخها في الحق ودؤوبها على السير في جادة الجهاد معاني الاعتزاز بالله ورسوله ودينه، ومعاني العطاء في سبيل الله حتى الشهادة.