المقدمة الثالثة هي قلب الكتاب الروحي: تجيب عن سؤال خطير — ما الذي يحفظ المنهاج من أن يصبح مشروعًا سياسيًا فحسب؟ الإمام يضع الغاية الإحسانية فوق كل الغايات الجماعية، ويبيّن متى تكون «الدعوة إلى الله» روحَ الحضارة، ومتى يصبح المشروع الإسلامي مجرد محاكاة للجاهلية بثوب إسلامي.
الإمام يقدم تمييزًا حاسمًا، إذا اختلط على الإسلامي اختلط عليه كل شيء. كثير من الحركات سقطت لأنها قلبت هذا الترتيب:
هي الإحسانية الفردية. أن يكون الله غاية كل عبد. السباق إلى مغفرته، جنته، رضاه، النظر إلى وجهه الكريم. هذه كلمة الإسلام واقتراحه وثمرته الموجهة لكل فرد. هي القصد الذي لا يجوز نسيانه.
هي الأهداف الجماعية: التحرر من الجاهلية، النجاح الاقتصادي، الظهور في الأرض، إقامة الخلافة. كلها شروط ضرورية ليسمع الإنسان كلمة الإسلام ويقبل اقتراحه. وسائل لا غايات في ذاتها.
كثير من الإسلاميين يقعون في انقلاب الترتيب: يصبح إقامة الدولة الغاية، والإيمان وسيلة لها. الإمام ينبه أن هذا قلبٌ جوهري للإسلام: «الخلافة الإسلامية ما هي بديل لحضارة المادة من حيث صناعتها وإنجازاتها... بل تكون استمرارًا على شكل جديد لنفس الحضارة المادية إن لم تكن الدعوة إلى الله... هي روح الحضارة ومهمة الخلافة». الدولة بدون دعوة = جاهلية بشعار.
المسلمون مغلوبون حضاريًا. التقدم الصناعي والاقتصادي عند الجاهلية. حتى لو لاحقنا ركبهم وأنجزنا مثل ما أنجزوا، ما الذي يجعل رسالتنا متميزة؟
الإمام يطرح سؤالًا خطيرًا: «ليس لنا ما يميزنا عن شعوب الأرض... إلا أننا حملة رسالة الله إلى العالم». فإذا فقدنا هذه الرسالة، فما لنا فضلٌ على غيرنا. الناس جميعًا عندهم أصالة وتقدم حضاري؛ ميزتنا الوحيدة هي ما نقدمه من إجابة عن سؤال «لماذا الحياة أصلًا؟» — وهذا لا يقدمه إلا من يعرف الله.
ينقسم المنادون باستنهاض الشعوب المسلمة إلى أربعة تيارات. الإمام يستعرضها ويبين موقعه:
إنسان منعزل عن الله، حر في شهواته، مقيد في مسؤولياته الكونية.
إنسان منعزل عن الله أيضًا، مذوّب في الجماعة، فاقد للحرية الفردية. الجانب الآخر من نفس الجاهلية.
«سباق إلى الاتجار بالإسلام». استخدام الدين أداة سياسية دون اقتناع به ولا التزام بأحكامه.
إنسان عبد لله، حر من الطاغوت، يجاهد في سبيل ربه. تتجاوز اليمين واليسار معًا.
الإمام لا يتعامل مع التيارين الجاهليين كاختيارين متساويين. هما وجهان لعملة واحدة: الإنسان المنعزل عن الله. الفرق بينهما تكتيكي لا جوهري. ولهذا قال: «التحرر من أحد جانبي الجاهلية، وهو تحرر لا يتم إلا بالانضواء تحت لواء الجانب الآخر». الإسلام لا يأخذ موقفًا «وسطًا» بين اليمين واليسار، بل يتجاوزهما معًا إلى إنسان عبد لله.
الإمام يبني حجة دقيقة لإثبات أن «الدعوة إلى الله» — لا «إقامة الدولة» — هي قلب المشروع الإسلامي:
تقرأ كتابًا ضخمًا لمفكر إسلامي شهير عن «النهضة الإسلامية». فصل عن الاقتصاد، فصل عن السياسة، فصل عن التعليم، فصل عن العلاقات الدولية. مئات الصفحات من التحليل والتنظير. ثم تلاحظ أنك لم تقرأ ذكرًا لله، ولا للقاء الله، ولا للجنة، ولا للنار في كل الكتاب.
الإمام يكشف: «أسلوب التفكير ومجال التفكير الجاهليين لا مكان فيهما لكل ذلك». المفكر الذي لا يذكر الآخرة في تحليله الإسلامي قد تشرب أسلوب الجاهلية دون أن يدري. حتى لو كان مخلصًا، فإن مجال تفكيره أصبح ماديًا. ولهذا قال الإمام: «نضع بين يدي هذه الصحيفة بإلحاح ذكر الله تعالى».
حركة إسلامية بدأت بمساجد وحلقات تربية. مع الوقت، توسعت ودخلت السياسة. صارت حزبًا. صارت تنافس في الانتخابات. تتحدث عن «المواطنة» و«الديمقراطية» و«الاقتصاد». تربيتها ضعفت، وصارت برامجها تشبه برامج الأحزاب المنافسة مع لمسة إسلامية.
وقعت الحركة في الانقلاب الذي حذّر منه الإمام: صارت السياسة غايتها والإيمان وسيلة لها. حين تنافس على نفس الأرضية مع نفس الأدوات، تصبح مجرد لاعب آخر في لعبة جاهلية، تحاول أن تكسب أصوات الناخبين بكل وسيلة، ولو على حساب أساس المنهاج. هذا ما قصده الإمام بـ«استمرار الحضارة المادية بشكل جديد».
تخيل أن دولة إسلامية أقيمت. اقتصادها قوي، جيشها مهيب، تكنولوجيتها متقدمة. تطبق الشريعة في الأحوال الشخصية. لكن شعبها ينافس الجاهلية في الاستهلاك والتسلية والترف. الناس يحبون الدنيا أكثر من الآخرة، يخافون الموت، نفوسهم خاوية رغم رفاهيتها.
الإمام يجيب بصرامة: لا. هذه «استمرار على شكل جديد لنفس الحضارة المادية». التطبيق الفقهي الشكلي بدون روح إحسانية = جاهلية بقشرة شرعية. الميزان عند الإمام: هل عرف الناس ربهم؟ هل امتلأت قلوبهم بمحبة لقاء الله؟ هل صار الإحسان طبعهم؟ — إن غاب هذا، فالإنجازات الأخرى تجميل لجاهلية.
ينتهي الإمام إلى نتيجة عملية تنظم كتابه كله. ثلاثة أسس متكاملة:
المربي الذي لا يربي على الرغبة في الله = يصنع موظفين. المنظم الذي لا ينظم محبة الله = يصنع حزبًا. الحركة التي لا تطلب الشهادة = تصنع منظمة. لا أحد منها يصنع أمة على منهاج النبوة. الإمام يلح أن يكون ذكر الله روح كل خطوة، من أصغر اجتماع تربوي إلى أكبر مشروع جهادي.
الغاية = الإحسان الفردي (مغفرة، جنة، رضا، وجه). الشروط = الأهداف الجماعية (تحرر، اقتصاد، خلافة). الخلط بينهما يفسد المنهاج.
المسلمون لا يتميزون بإنجاز حضاري ولا بقومية. يتميزون فقط بأنهم حملة رسالة الله إلى العالم. فإذا فقدوها، فقدوا فضلهم.
يمين الجاهلية (ليبرالية)، يسار الجاهلية (اشتراكية)، الإسلام التجاري (شعار سياسي). الرابع — الإمام — هو الدعوة الإحسانية المتجاوزة.
«عمارة الأرض ليست مقصودة لذات العمارة، إنما عمارتها شرط ليعرف العبد ربه». الخلافة وسيلة، الإحسان غاية.
المفكر الإسلامي الذي ينسى ذكر الله، الحركة التي تذوب في السياسة، الدولة التي تطبق الشريعة بلا روح — كلها جاهليات بثوب إسلامي.
تربية على الرغبة في الله + تنظيم بمحبة الله + جهاد طلبًا للشهادة. هذه ثلاثية تحفظ المنهاج من الانحراف إلى المادية أو السياسوية.
ميزة الإسلام الوحيدة على سائر الحضارات أنه يربط الإنسان بربه. كل ما عدا ذلك مشترك بين البشر. والمشروع الإسلامي الذي ينسى هذا الربط — حتى لو أنجز كل ما تنجزه الحضارات الأخرى — يكون قد ضاع جوهره. الدعوة إلى الله روح الحضارة، والخلافة بدون هذه الدعوة قشرة فارغة.
الذين يستنهضون الشعوب المسلمة حكومات ومعارضات ثورية وحزبية أشكال وألوان من يسار الجاهلية ويمينها. ينافسون دعوة الحق بدعوات الليبرالية والاشتراكية، ويضربون على أوتار القومية والتقدمية والوطنية. يدعون إلى التعبئة العامة من أجل التنمية، من أجل التحرر من أحد جانبي الجاهلية، وهو تحرر لا يتم إلا بالانضواء تحت لواء الجانب الآخر.
وتدوي صيحة العودة إلى الله بين المسلمين. تدوي من أعماق ضمير الأمة على لسان الدعاة، ويصبح النداء الإسلامي شعارًا يرفعه حكام الجبر والأحزاب السياسية القومية، مزايدات، سباق إلى الاتجار بالإسلام.
لطالما بقي الإسلام غامضًا في ذهن الناس، طالما قبع الإسلام في التقوى الفردية، في المسجد لا يخرج منه، في الكتب الفقهية وخلافاتها، في الفضاء النفسي بعيدًا عن واقع المسلمين. والآن قد تقدم فهم الإسلام وتعمق بفضل الله على رجال الدعوة الذين ابتعثهم لإعادة بناء الأمة. فأخذ يتضح للمسلمين أن الإيمان الذي كان حيًا في قلوب سلفنا الصالح، فاعلًا في مجتمعهم وفي العالم، يمكن أن يصبح بديلًا للفتنة وعلى رأسها الحكم الجبري، يمكن أن يعود كما كان حركة عالمية منتصرة.
علينا أن ننظر عاليًا وبعيدًا لنخطط حركة الإسلام، ونقودها في ساحات الجهاد، يجب أن نصحح المنطلق لئلا نتشتت على سطح الأحداث. آن لأمتنا أن تطمح طموحًا عالميًا رغم قصورنا الحاضر وانهزامنا الحضاري المؤقت. وليس لنا ما يميزنا عن شعوب الأرض عندما تقارن المقومات والوسائل إلا أننا حملة رسالة الله إلى العالم. قرآننا زادنا وسلاحنا.
والله عز وجل ولينا، ومحمد ﷺ نموذجنا وإمامنا. فلكي نكون على مستوى المهمة التاريخية أمامنا وهي أن نسعى لإقامة الخلافة الإسلامية على منهاج النبوة يلزم أن نعطي للإنسان، لكل إنسان، النموذج الحي الناجح للفرد السعيد والأمة المهيبة.
نحن المسلمين نرزح تحت ثقل تراث الفتنة وتراث التخلف الحضاري، فيخيل إلينا أن ملاحقة الجاهلية لإنجاز مثل ما أنجزت من صناعات مشروع كاف لو أضفنا إلى تلك الملاحقة أصالتنا وشريعتنا. لن نقدم بذلك للإنسان أية رسالة، فللناس جميعًا أصالة ونصيب من التقدم الحضاري يشقى بهما الناس، يهربون من هذا إلى تلك سعيًا وراء معنى للوجود والحياة.
رسالتنا لأنفسنا وللإنسان أن يكون الله عز وجل غاية كل فرد من العباد. أن يكون ابتغاء رضاه، والسباق إلى مغفرته وجنته، والسير على مدارج الإيمان والإحسان لمعرفته، والوصول إليه، والنظر إلى وجهه الكريم، منطلق الإرادة، وحادي المسارعة وقبلة الرجاء. هذا معنى أن الإسلام دعوة إلى الله، دعوة إلى الاستسلام بين يديه، نحب لقاءه، ونطيع أمره، ونقبل حاكميته، ونجاهد لإعلاء كلمته، ونطلب الاستشهاد في سبيله. ونحن بهذا فقط نكون قدرًا من قدر الله.
الغاية الإحسانية إذن هي كلمة الإسلام، واقتراحه، وثمرته الموجهة لكل فرد. والأهداف الجماعية للأمة، من تحرر عن الجاهلية، ونجاح في الاقتصاد، وظهور في الأرض، شروط ضرورية ليسمع الإنسان تلك الكلمة، ويقبل ذلك الاقتراح، ويجني تلك الثمرة. فذلك السباق الذي عرضه الله على كل منا إلى مغفرته وجنته ورضاه والنظر إلى وجهه هو رسالتنا للعالم الشقي بحضارته المادية.
فالخلافة الإسلامية وهي جوهر الحضارة الإسلامية المرجو بناؤها، ما هي بديل لحضارة المادة من حيث صناعتها وإنجازاتها الاجتماعية والسياسية والحياتية، بل تكون استمرارًا على شكل جديد لنفس الحضارة المادية إن لم تكن الدعوة إلى الله، البالغة إلى كل إنسان، الملحة عليه، المتحببة إليه بالعيش الكريم تحت ظلها، والإيواء الكريم إلى كنفها، هي روح الحضارة ومهمة الخلافة.
نحن المسلمين موعودون بالخلافة في الأرض لنعمرها، لكن عمارتها ليست مقصودة لذات العمارة، إنما عمارتها شرط ليعرف العبد ربه ويتهيأ للقائه بعد الموت. بهذا نحن قوة لا تقاوم.
كثيرًا ما تقرأ لمفكرين مسلمين، فتمر عليك الصفحات والفصول لا تعثر على ذكر الله، ومحبة الله، والعبودية لله، ولا على ذكر الجنة والنار والآخرة وحياة الخلود. ذلك أن أسلوب التفكير ومجال التفكير الجاهليين لا مكان فيهما لكل ذلك. فينقطع حديث بعضنا عن تلك المساحة الإيمانية الأبدية انحسارًا إلى الأبعاد المادية التاريخية المألوفة.
لهذا نضع بين يدي هذه الصحيفة بإلحاح ذكر الله تعالى. لأن التربية لا تكون إسلامية إن لم تحقق في نفس المربي الرغبة في الله والاستعداد المتحفز للسباق إلى مغفرته وجنته ورضاه ووجهه حتى الاستشهاد. ولأن التنظيم لا يكون إسلاميًا إن لم تنتظم محبة الله تعالى والتنافس في الجهاد إليه جماعة المؤمنين.
ولن نصبح مستحقين لخلافة الله ورسوله في الأرض إلا إن أصبحت غاية كل مجاهد من أهل الإيمان أن يموت في سبيل الله، وإلا إن نهضنا للجهاد المستميت في صف منتظم مرصوص يحب الله من يرصه وينصر إلى جنابه الكريم من يقاتل فيه ويبذل فيه المال والنفس. ذلك المؤمن المجاهد لن يكون إلا نتاج تربية، وذلك الصف لن ينتظم إلا إن كان المنهاج المنظم نبويًا وهمة رجاله ربانية.